أخبار العالم

محمد الصايم يكتب: ربع قرن من صناعة المستحيل.. الجامعة الألمانية تكتب التاريخ

هناك جامعات تمنح شهادات وهناك جامعات تصنع المستقبل، وهناك جامعات يكتب التاريخ أسماءها لأنها لم تغير فقط مفهوم التعليم، بل أعادت رسم خريطة المعرفة وربطت بين الشعوب، لتصبح نموذجًا يحتذى به في التعليم والبحث العلمي، ومن بين هذه النماذج تقف الجامعة الألمانية بالقاهرة شامخة رائدة، وتحولت خلال خمسة وعشرين عامًا من حلم راود عالمًا مصريًا إلى واحدة من أنجح تجارب التعليم الألماني العابر للحدود في العالم.

 

عندما قرر الدكتور أشرف منصور تأسيس الجامعة الألمانية عام 2002، لم يكن يخطط لإضافة جامعة جديدة إلى قائمة الجامعات المصرية، بل كان يحمل رؤية مختلفة؛ أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للتعليم الدولي، وأن يحصل الطالب المصري على تعليم ألماني مصرى بمعاييره العالمية دون أن يغادر وطنه 

 

كان المشروع وقتها يبدو للبعض أقرب إلى المستحيل، لكن الرؤية الواضحة والإصرار والعمل حولت الحلم إلى حقيقة، ثم إلى قصة نجاح تجاوزت حدود مصر ووصلت إلى قلب ألماني 

 

واليوم، وبعد مرور ربع قرن، لم تعد الجامعة الألمانية مجرد مؤسسة أكاديمية، بل أصبحت نموذجًا عالميًا يجمع بين التعليم والبحث العلمي والصناعة، ويُنظر إليها باعتبارها واحدة من أبرز قصص النجاح في التعاون المصري الألماني

من القاهرة إلى العالم 

 النجاح الحقيقي للجامعات لا يقاس بعدد المباني أو قاعات المحاضرات، وإنما بخريجيها، وهذا هو الإنجاز الأكبر الذي حققته الجامعة الألمانية، آلاف الخريجين أصبحوا اليوم يشغلون مواقع مرموقة داخل كبرى الشركات والمؤسسات العالمية، في ألمانيا وأوروبا والولايات المتحدة ودول عديدة حول العالم، مهندسون وعلماء وباحثون وخبراء أثبتوا أن الجامعة لم تكن تخرج طلابًا فقط، بل كانت تصنع كوادر قادرة على المنافسة عالميًا.

 

ولم يكن من قبيل المصادفة أن تصبح نسب توظيف خريجي الجامعة الألمانية  الأعلى حاليا، لأن النموذج التعليمي الذي أسسه الدكتور أشرف منصور رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية ومؤسسها الأول اعتمد منذ البداية على الدمج بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي، ليصبح الخريج جاهزًا لسوق العمل منذ اليوم الأول.

 

من استيراد التعليم إلى تصدير العقول

 

ربما يكون الإنجاز الأهم في هذه التجربة أنها غيرت فلسفة التعليم الدولي في مصر، بعد أن كان حلم آلاف الأسر هو إرسال أبنائها للدراسة في الخارج، أصبحت الجامعة الألمانية تقدم التعليم الألماني نفسه داخل مصر، وفقًا للمعايير الأكاديمية ذاتها، بما وفر على الدولة والأسر الملايين من العملة الصعبة التي كانت تنفق على الدراسة بالخارج.

 

لكن الأهم من ذلك أن الجامعة نجحت في تحويل مصر إلى مصدر للكفاءات العلمية ن فلم تعد الجامعة الألمانية تصدر الطلاب إلى ألمانيا فقط، بل أصبحت تصدر العلماء والمهندسين والخبراء إلى مختلف دول العالم، بعدما أثبت خريجوها كفاءتهم في أكبر المؤسسات والشركات العالمية.

 

ولم تعد الجامعة مقصدًا للطلاب المصريين وحدهم، بل أصبحت قبلة للطلاب من مختلف دول العالم، كما جذبت طلابًا ألمان وأوروبيين للدراسة ضمن منظومة أكاديمية تمتد بين القاهرة وبرلين، في تجربة فريدة تؤكد أن مصر أصبحت شريكًا في إنتاج المعرفة، وليس مجرد متلقٍ لها.

 

جامعة لا تتوقف عند النجاح

 

ما يميز الجامعة الألمانية أنها لم تعتبر النجاح محطة للوصول، بل نقطة انطلاق، التخصصات تتطور باستمرار، والمناهج تُحدث وفقًا لأحدث المعايير العالمية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتصنيع الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد أصبح جزءًا من هوية الجامعة.

 

كما نجحت في تحويل البحث العلمي إلى أداة لحل مشكلات الصناعة، فأصبح طلاب الماجستير والدكتوراه يعملون جنبًا إلى جنب مع الشركات، لتقديم حلول حقيقية قابلة للتطبيق، في نموذج يجسد فلسفة التعليم الألماني القائمة على الربط بين الجامعة وسوق العمل.

 

برلين تعترف بالنجاح المصري

 

إذا كانت مصر تفخر بهذا الصرح، فإن ألمانيا أيضًا تنظر إليه باعتزازوتقدير  ،  الجامعة الألمانية في برلين لم تعد مجرد مقر أكاديمي، بل أصبحت منصة دولية للتعاون العلمي والاقتصادي، تستضيف المؤتمرات الكبرى، وتجمع بين الباحثين والشركات وصناع القرار.

 

ولم يكن من قبيل المصادفة أن تستضيف الملتقى الاقتصادي السنوي لمقاطعة راينيكندورف، بمشاركة نحو 250 من كبار رجال الأعمال وصناع القرار، وممثلي أكثر من 66 شركة ألمانية تعمل في مجالات التكنولوجيا والصناعة.

 

إيمينه ديميربوكِن-فيغنر، عمدة مقاطعة راينيكندورف، أكدت أن حرم الجامعة الألمانية في برلين أصبح صرحًا أكاديميًا ألمانيًا مصريًا يحظى باعتراف حكومي ودولي، وأن الجامعة نجحت في بناء نموذج متكامل يربط بين التعليم وسوق العمل، ويتيح لطلاب الماجستير والدكتوراه العمل داخل بيئة الشركات والصناعة، إلى جانب امتلاكها بنية تحتية متطورة تضم أحدث معامل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وعلوم المستقبل، بما يجعلها بيئة حقيقية للابتكار.

 

كما جاءت شهادة ألكسندر رضوان، النائب في البرلمان الألماني “البوندستاغ “، ورئيس المجموعة البرلمانية للعلاقات مع الدول الناطقة بالعربية في الشرق الأدنى والأوسط،، عندما قال إن الدكتور أشرف منصور لم ينتظر الظروف المثالية، بل بدأ العمل وطوّر المشروع خطوة بعد أخرى حتى أصبح قصة نجاح يُحتذى بها. وأكد أن مصر دولة محورية، وأن استقرارها يمثل مصلحة استراتيجية لألمانيا وأوروبا، مشددًا على أن التعليم، وخاصة التعليم الفني، يمثل أحد أهم مجالات التعاون بين البلدين.

 

قصة رجل آمن بالحلم 

وراء كل مؤسسة عظيمة، يقف صاحب رؤية، وخلال خمسة وعشرين عامًا، لم يكن الدكتور أشرف منصور يدير الجامعة الألمانية  فحسب، بل كان يقود مشروعًا حضاريًا، هدفه بناء الإنسان قبل المباني، وصناعة العقول قبل الشهادات.

 

لقد آمن بأن التعليم هو أقوى استثمار يمكن أن تقوم به الأمم، وأن الجامعة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فقط، بل مصنعًا للمبتكرين والعلماء ورواد الأعمال.

 

وينتشر خريجو الجامعة في أكبر الشركات العالمية اليوم، ويرفعون اسم مصر في مختلف المحافل، بينما أصبحت الجامعة الألمانية نموذجًا يُشار إليه باعتباره أحد أنجح مشروعات التعليم العابر للحدود في العالم.

 

وربما تلخص كلمات الدكتور أشرف منصور: ” قرار تأسيس الجامعة الألمانية كان من أفضل قرارات حياتي”، رحلة امتدت ربع قرن من الإيمان بالفكرة والعمل من أجلها لم تعد الجامعة الألمانية مجرد جامعة مصرية تحمل اسمًا ألمانيًا، بل أصبحت علامة عالمية، وجسرًا دائمًا للثقة بين مصر وألمانيا، ودليلًا على أن الأحلام الكبيرة تتحول إلى واقع عندما تقودها رؤية، ويصنعها الإصرار، ويحميها العمل، إنها ليست قصة جامعة بل قصة وطن آمن بأن الاستثمار في العقول هو الطريق الأقصر إلى المستقبل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق