الصحفية الفلسطينية آية جودة لـ«المصري اليوم»: المشاهد المؤلمة لا تنتهى والكلمة الحرّة أقوى من الرصاصة

الصحفية الفلسطينية آية جودة لـ«المصري اليوم»: المشاهد المؤلمة لا تنتهى والكلمة الحرّة أقوى من الرصاصة

وسط حرب الإبادة التى يتعرض لها قطاع غزة، وبين الركام وصوت القصف، تواصل الصحفية الفلسطينية آية جودة نقل الحقيقة من قلب الميدان، لتثبت أن الصحافة الفلسطينية ليست مجرد مهنة؛ بل رسالة إنسانية وكفاح يومى ضد محاولات التعتيم على المأساة.

حصولها على جائزة شيرين أبو عاقلة للتميز الإعلامى ٢٠٢٥ كان بمثابة تكريم للصحفيين الفلسطينيين جميعًا، ورسالة بأن صوت غزة قد وصل رغم كل محاولات الطمس، وخلال هذا الحوار، تتحدث لـ«المصرى اليوم» عن تجربتها، وعن معنى الفوز بتلك الجائزة، وعن المآسى التى عاشتها فى الميدان، وكيف ترى الصحافة الفلسطينية اليوم وفى المستقبل.

■ بداية.. حدثينا عن بداية مشوارك الصحفى

– أنا آية جودة، صحفية فلسطينية من قطاع غزة بدأت رحلتى من قلب الميدان، وسط حصار خانق ودمار يحيط بكل شىء. الصحافة بالنسبة +لى لم تكن مهنة عابرة أو وسيلة للرزق، بل كانت منذ البداية رسالة إنسانية.. تعلمت الصحافة من الميدان أكثر مما تعلمتها من الكتب، فبينما كنت أركض بين الشوارع المدمرة أو المستشفيات المزدحمة بالمصابين، كنت أدرك أن الكلمة الحرة أقوى من الرصاصة وقد تكون وسيلة لإنقاذ حياة أو وسيلة لتخليد ذكرى شهيد منذ لحظة البداية، كان هدفى أن أنقل الحقيقة كما هى، دون تزييف، وأن أكون صوت الذين لا يملكون منابر أو وسيلة للتعبير فى غزة.

■ وكيف تلقيتِ خبر فوزك بجائزة «شيرين أبو عاقلة للتميز الإعلامى»؟ وما الذى مثّله لك؟

– تلقيت الخبر وسط أجواء الحرب والقصف.. كان الأمر أشبه بمفارقة قاسية فى وقت يسقط فيه الزملاء شهداء يوميًا، جاءنى خبر تكريم يحمل اسم شيرين أبو عاقلة، وشعرت بمزيج من الفخر والحزن فى آن واحد؛ فخر لأن عملى وصل إلى العالم، وحزن لأن من سبقونى دفعوا حياتهم ثمنًا لنقل الحقيقة ولم ينالوا هذا الاعتراف.

الصحفية الفلسطينية آية جودة

■ وما أصعب المشاهد التى واجهتك خلال تغطيتك المأساة الإنسانية فى غزة؟

– المشاهد المؤلمة لا تنتهى، لكن هناك لحظات تبقى محفورة فى الذاكرة.. أكثرها قسوة كان داخل المستشفيات، حيث صرخات الأمهات وبكاء الأطفال الذين فقدوا ذويهم، كنت أغطّى أحيانًا وأنا أخشى أن أتعرف بين الشهداء على قريب أو صديق، وفى إحدى المرات كنا نصور داخل مستشفى وقد امتلأت الممرات بالمصابين والشهداء، وكان أكثر ما يؤلمنى أن أشاهد أطفالًا يبحثون بين الجثامين عن أمهاتهم أو آبائهم، وأيضًا مشاهد الركام، حين كنا نرى عائلات تُنتشل من تحت الأنقاض، تبقى عالقة فى القلب إلى الأبد.

■ وسط هذا الخطر، كيف وازنتِ بين كونك صحفية ومشاعرك كإنسانة؟

– فى الحقيقة، لم أستطع أن أفصل بين الاثنين.. كنت أخرج إلى الميدان ودموعى معى، أصور وقلبى ينكسر من الداخل.. الصحفى فى غزة لا يعيش دور المراقب؛ بل هو جزء من المأساة، يرى أحيانًا جيرانه أو أقاربه بين الضحايا، ومع ذلك كان ما يمنحنى القوة هو إيمانى بأن كل صورة التقطتها وكل كلمة كتبتها ستبقى شاهدًا على الجريمة، مهما حاول الاحتلال أن يخفيها.

■ وكيف يمكن للإعلام أن يواجه محاولات التعتيم على ما يحدث فى غزة؟

– المعركة الإعلامية لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض؛ فالاحتلال يسعى بكل قوة إلى حجب الحقيقة وتشويهها، لكننا نواجهه بالصورة والكلمة، وكل تقرير، كل صورة، كل بث مباشر هو جدار نكسر به الصمت، وأحيانًا يكفى فيديو قصير من قلب الدمار ليكشف كذب الرواية الإسرائيلية أمام العالم.. الصحافة هنا ليست فقط وسيلة لنقل الخبر؛ بل سلاح فى مواجهة التعتيم.. ودماء زملائنا الشهداء أمانة فى أعناقنا، وهى ما يدفعنا للاستمرار مهما كلف الأمر.

■ وما أكثر قصة إنسانية علقت فى ذهنك ولم تستطيعى نسيانها؟

– هناك عشرات القصص، لكن أكثرها تأثيرًا طفلة أصيبت بشظية شوهت وجهها، قالت لى وهى تبكى «أنا لم أعد جميلة».. كلماتها كسرتنى من الداخل وشعرت حينها أن الاحتلال لا يكتفى بقتل الجسد؛ بل يحطم الروح أيضًا، وكذلك لن أنسى مشهدًا فى مخيم النصيرات حين استُهدفت مدرسة تؤوى نازحين، وكنت أركض مسرعة لتوثيق الحدث، فإذا برجل يصرخ: «انتبهى، أنتِ تدوسين على أشلاء ابنى»؛ فتلك اللحظة ستبقى محفورة فى داخلى إلى الأبد، لأنها اختصرت حجم المأساة كلها فى صرخة واحدة.

■ هل ترين أن الصحفى الفلسطينى أصبح شاهدًا وناجيًا وضحية فى الوقت نفسه؟

– بالتأكيد.. نحن شهود على جريمة إبادة حقيقية، وناجون فى كل لحظة من موت محقق، وضحايا محتملون فى أى ثانية.. هذه المعادلة القاسية تجعل عملنا أكثر صعوبة، لكنها أيضًا تمنحه قدسية خاصة.. نحن لا نكتب التاريخ من بعيد؛ بل نعيشه ونوثقه بأرواحنا.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *