أخبار العالم
جوزف طربيه: مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أصبحت معركة لحماية الاقتصاد والاستقرار المالي

أكد الدكتور جوزف طربيه، رئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب ورئيس اللجنة التنفيذية لاتحاد المصارف العربية، أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لم تعد مجرد التزام مصرفي تفرضه المعايير الدولية، بل تحولت إلى واحدة من أبرز المعارك لحماية الاقتصاد الوطني، وصون استقرار النظام المالي، والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي بالدول ومؤسساتها المالية.
جاء ذلك خلال كلمته في افتتاح المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب 2026، الذي عُقد في بيروت برعاية دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، وبحضور عدد من المسؤولين والخبراء وممثلي المؤسسات المالية والرقابية العربية.
ورحب طربيه بالحضور، معربًا عن شكره وتقديره لرئيس مجلس الوزراء على رعاية المؤتمر، كما وجه الشكر إلى مجلسي إدارة اتحاد المصارف العربية والاتحاد الدولي للمصرفيين العرب لاختيار لبنان لاستضافة هذا المؤتمر الإقليمي في ظل مرحلة سياسية واقتصادية بالغة الدقة، تشهد اهتمامًا دوليًا متزايدًا بمنطقة الشرق الأوسط، بالتزامن مع عودة لبنان إلى أداء دور فاعل على المستوى العربي في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
وقال طربيه إن أهمية مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتزايد في لبنان والعالم العربي في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، واتساع نطاق الاقتصاد النقدي، وتطور وسائل تحويل الأموال، وظهور أدوات مالية وتكنولوجية جديدة يمكن أن تستغلها الشبكات الإجرامية والإرهابية.
وأشار إلى أن الدول العربية قطعت شوطًا مهمًا في تطوير الأطر التشريعية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENAFATF، بما يتوافق مع المعايير الدولية، إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في مدى الالتزام بهذه القوانين وفاعلية تطبيقها على أرض الواقع.
وأوضح أن المصارف تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأموال غير المشروعة، باعتبارها صاحبة المصلحة الأولى في حماية مؤسساتها ومساهميها ومودعيها واقتصادات بلدانها، مؤكدًا أن أي استثمار في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمثل استثمارًا في استمرارية المصرف وسمعته وقدرته على العمل ضمن النظام المالي العالمي.
وشدد على أن نجاح جهود مكافحة غسل الأموال لا يمكن أن يظل محصورًا داخل القطاع المصرفي، وإنما يحتاج إلى استراتيجية شاملة تشمل مراقبة الشركات والتجارة وعمليات تملك العقارات وغيرها من القطاعات التي يمكن أن تتحول إلى منافذ لتبييض الأموال، إلى جانب التعاون بين السلطات القضائية والأمنية والمحاسبين والمحامين والصرافين وشركات تحويل الأموال وسائر المهن والجهات التي تتعامل بصورة مباشرة مع قطاعات الأعمال.
ضرورة التعاون العربي والدولي
وأكد طربيه أن أي دولة عربية لم تعد قادرة على مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بمفردها، في ظل عالم تحكمه التكتلات الاقتصادية والتحالفات، مشيرًا إلى أن الأموال يمكن أن تنتقل بسرعة من دولة إلى أخرى، وقد يكون مصدر الأموال في دولة، والوسيط في دولة ثانية، والمستفيد النهائي في دولة ثالثة.
وأضاف أن هذا الواقع يجعل التعاون بين الدول العربية ووحدات المعلومات المالية والسلطات الرقابية والضريبية والأمنية والقضائية ضرورة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي والدولي وتبادل المعلومات والخبرات لمواجهة الجرائم المالية العابرة للحدود.
ولفت إلى أن المنطقة العربية تواجه تحديات هي الأخطر منذ عقود، في ظل الحروب والصراعات المسلحة التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصادات، وحولت دولًا دائنة إلى دول مدينة، مشيرًا إلى أن الصراعات لم تعد عسكرية فقط، وإنما باتت تستخدم أدوات اقتصادية ومالية، من بينها العقوبات وتأثيرها على حركة التمويل الدولي وعلاقات البنوك المراسلة.
وأوضح أن التحديات التي تواجه الدول العربية متشابهة إلى حد كبير، رغم اختلاف الإمكانات المؤسسية والتقنية والأمنية من دولة إلى أخرى، وهو ما يعزز أهمية تنسيق العمل بين الجهات الرقابية، وتبادل التجارب الناجحة في التحقيقات المالية وملاحقة شبكات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
العقوبات الاقتصادية ومخاطرها
وتطرق رئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب إلى العقوبات الاقتصادية، مؤكدًا أنها أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه عددًا من الدول، خصوصًا في ظل الهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها بعض البلدان وما يترتب على العقوبات من تجميد للأصول وإجراءات وتحقيقات مالية وجنائية.
وقال إن العقوبات باتت تُستخدم كسلاح للضغط على الدول والدفاع عن المصالح السياسية والاستراتيجية، مشيرًا إلى الدور المؤثر لوزارة الخزانة الأميركية في النظام المالي العالمي، وما يمكن أن تسببه الإجراءات الاقتصادية من مخاطر على سمعة الدول والمؤسسات المالية.
وأضاف أن العقوبات المفروضة على المصارف والمؤسسات المالية قد تؤدي في بعض الحالات إلى تهديد استمرارها، تحت عناوين مرتبطة بمكافحة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
لبنان ومواجهة غسل الأموال
وتناول طربيه خلال كلمته التحديات التي واجهها لبنان خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها الأزمة المالية التي وصفها بأنها نتاج تراكم اختلالات نقدية ومالية استمرت لسنوات من دون اتخاذ إجراءات تصحيحية في الوقت المناسب.
وأوضح أن الأزمة اللبنانية لم تنتج عن عامل واحد، وإنما جاءت نتيجة مجموعة متداخلة من العوامل المالية والسياسية والاقتصادية، بالتزامن مع استمرار الحرب في جنوب لبنان، وما تفرضه من تعقيدات تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية.
وأكد أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تكتسب أهمية استثنائية في الحالة اللبنانية، نظرًا لحساسية موقع لبنان داخل النظام المالي الإقليمي والدولي وأهمية علاقاته مع المصارف المراسلة والمؤسسات المالية العالمية.
وأشار إلى أن الحفاظ على هذه العلاقات يتطلب جهودًا مسؤولة، خاصة أن التجارة الخارجية اللبنانية تعتمد بصورة أساسية على النظام المصرفي لتنفيذ عمليات الاستيراد والتصدير.
وأوضح أن فاتورة الاستيراد في لبنان بلغت خلال عام 2025 نحو 19 مليار دولار أميركي، في حين بلغت قيمة الصادرات نحو 3.3 مليار دولار، مؤكدًا أن المصارف اللبنانية تمكنت من خدمة هذه العمليات عبر علاقاتها مع المصارف المراسلة رغم الأزمة المالية التي يمر بها لبنان وإدراجه على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي.
تعزيز الثقة في القطاع المالي اللبناني
وأكد طربيه أن تطوير منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد استجابة لمتطلبات دولية، وإنما باعتباره جزءًا أساسيًا من عملية استعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني.
وشدد على ضرورة تعزيز استقلالية وفاعلية الجهات الرقابية والقضائية المختصة، ورفع كفاءة أنظمة الامتثال داخل المصارف، وتحسين جودة المعلومات المالية، وتطبيق قواعد المستفيد الحقيقي، إلى جانب تعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية.
وقال إن العالم العربي، ومن ضمنه لبنان، يقف أمام مرحلة جديدة في مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعدما انتقلت الجهود من مرحلة بناء القوانين والمؤسسات إلى مرحلة أكثر صعوبة تتمثل في إثبات فاعلية هذه المنظومات وتحقيق نتائج ملموسة.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، ومؤسسات قوية، وأطر تكنولوجية حديثة، وقطاع مصرفي متطور، وقضاء متخصص، فضلًا عن تعاون عربي فاعل، مشيرًا إلى أن اتحاد المصارف العربية يعمل على تعزيز هذا التعاون من خلال أنشطته واتصالاته ومؤتمراته.
حماية الاقتصاد ومواجهة الاقتصاد غير المشروع
وفي ختام كلمته، أكد طربيه أن مكافحة الأموال غير المشروعة ليست مسؤولية المصارف وحدها، وإنما معركة تشارك فيها الدولة والأجهزة الأمنية والقضائية والاقتصاد والمجتمع ككل.
وأوضح أن المعركة الحقيقية تتمثل في مواجهة اقتصاد تحكمه القواعد والقوانين، في مقابل اقتصاد أسود تتحرك فيه الأموال بعيدًا عن الرقابة.
ووجه رسالة من العالم العربي إلى النظام المالي الدولي، أكد فيها أهمية بناء نظام مالي آمن قائم على التعاون الدولي الحقيقي في مكافحة غسل الأموال، مع ضرورة أن يستند الامتثال إلى القانون والمخاطر والأدلة، وليس إلى الخوف، وأن تكون مكافحة غسل الأموال وسيلة لحماية الاقتصاد وليس أداة لعزله.
واختتم طربيه بالتأكيد على أن نجاح الدول العربية في الانتقال من مجرد الالتزام بالمعايير الدولية إلى بناء منظومات فعالة قادرة على كشف الأموال غير المشروعة وملاحقة أصحابها واستردادها، سيعزز قدرتها على حماية اقتصاداتها، ورفع ثقة المستثمرين، وترسيخ الاستقرار المالي والاقتصادي.




