د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أقتصاد

الاستثمار العقاري وإتاوات التحسين في مصر: تحليل اقتصادي جديد

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

شهدت السنوات منذ يناير 2018 اختباراً فعلياً لقدرة المسؤول الحكومي على فهم طبيعة المستثمر واحتياجاته، وقد أصدرت جريدة «الشروق» في 8 يناير 2018 مقالاً بعنوان «إتاوة تعديل النشاط!» تناول فيه الكاتب مخاطر التعقيدات الإدارية والتوسع في فرض أعباء مالية على ملاك الأراضي تحت مسميات قانونية واقتصادية مثيرة للجدل، مؤكدًا أن دور الدولة هو تسهيل الاستثمار واستغلال الأراضي بشكل أمثل لا استغلال ارتفاع قيمتها أو تغيير استخدامها لفرض أعباء إضافية على أصحابها.

ومع مرور أكثر من ثماني سنوات، تتجدد المخاوف ذاتها في صور جديدة تمثلت في مطالبات مطورين عقاريين بمبالغ ضخمة تحت مسمى «مقابل التحسين» بعدما أكملوا مشروعاتهم وباعوا وحداتهم السكنية والتجارية والإدارية بالكامل، مما يطرح تساؤلات حول أسس هذه المطالبات وتوقيت فرضها، إضافة إلى إمكانية التنبؤ بها ودخولها ضمن تكلفة الاستثمار من البداية.

الأمر يتجاوز النزاع القانوني أو الخلاف التنظيمي ليصل إلى أزمة تشكك في جدوى الاستثمار ذاته فكيف يمكن مطالبة مطور عقاري بمليارات الجنيهات لم تُدرج ضمن دراسة الجدوى ولم تُحتسب في التسعير، ثم يُفرض عليه دفعها بأثر رجعي بعد إتمام البيع، وهل يتحملها من أرباحه، وما حجم هذه الأرباح، أو هل يضطر إلى الاقتراض مع ما يترتب على ذلك من تأخير استثمارات جديدة أو تعثر قد يفقده حريته، وإذا تعاقد مع المشترين بأسعار محددة فبأي مبرر يعيده عليهم لتحميل التزامات غير معلومة عند التعاقد؟

تزداد أهمية الأزمة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي للقطاع العقاري، إذ تشير بيانات البنك المركزي المصري التي أوردتها غرفة التجارة الأمريكية في مصر إلى أن قيمة مساهمة الأنشطة العقارية بلغت نحو 441.4 مليار جنيه في النصف الأول من العام المالي 2024/2025 بما يعادل 10.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، محققة نموًا سنويًا قدره 2.9٪، بينما بلغت المساهمة 877.2 مليار جنيه في العام المالي 2023/2024، وهذه الأرقام تخص الأنشطة العقارية حسب التصنيف المستخدم ولا تضم جميع أنشطة التشييد والبناء والصناعات المغذية، وأسهمت هذه الأنشطة في 2024/2025 بنسبة 0.14 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي مقابل 0.33 نقطة لقطاع التشييد والبناء، ما يؤكد أهمية القطاع على مستويات وفرص التشغيل والتمويل والمواد والبنية التحتية، ويجعل استقرار قواعد الاستثمار فيه مصلحة وطنية عامة.

لا يعني هذا إنكار حق الدولة في تحصيل مستحقاتها القانونية أو رفض مبدأ مساهمة المستفيد في تكلفة المنفعة العامة التي تعود عليه بمنفعة خاصة، ولكن هناك فرقًا بين مقابل معلوم الأساس ومعايير يمكن تقديرها مسبقًا، وبين مطالبة استثنائية تظهر بعد سنوات من الاستثمار والتصرف في الأصول، كما يوجد تمييز بين مشروع عام أنفقت الدولة على تنفيذه وله أثر محدد قابل للقياس على عقارات معينة، وبين اعتبار أي ارتفاع في القيمة السوقية تحسينًا يستوجب تحصيل مبلغ مقابله.

وينبغي توضيح مفهوم التحسين المرتبط بهذه المطالبات، فهل هو نتيجة إنشاء طريق جديد، أو توفير مرافق لم تكن متاحة، أو إقامة مشروع نقل وبنية تحتية تسبب في ارتفاع مؤكد في قيمة عقارات محددة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما حصة كل عقار من المنفعة، وكيف تم الفصل بين أثر الإنفاق العام وأثر استثمارات المطور وما صرفه على المرافق الداخلية والخدمات، وكيف تم احتساب أثر التغيرات السعرية في السوق، إذ إن الكثير من الزيادات السعرية للعقارات تأتي من جهود المطورين التسويقية وسمعتهم وإنجازاتهم الفعلية، فهل يحق لهم المطالبة بتحسين عن هذه الإضافة؟

كما يثير التساؤل عن منهجية تقدير المطالبات بمليارات الجنيهات في مناطق مثل السادس من أكتوبر، وما إذا كانت هناك بيانات معلنة وقابلة للفحص وتقييم يوضح أساس احتساب المبلغ وحدود المنفعة المنسوبة للمشروع العام، إذ لا تتحقق العدالة بمجرد تسمية المطالب بمقابل تحسين، بل يجب وجود أساس قانوني وفني واضح ومستند لحق الاعتراض والطعن قانونيًا، وإذا كانت هذه المطالبات متوقعة وفق قواعد تخصيص الأراضي أو مشروعات البنية التحتية، لماذا لا يتم الإعلان عن أساسها وآلية تقديرها قبل التعاقد على الأرض أو طرح الوحدات للبيع؟

يجادل البعض بأن المطور حقق أرباحًا من ارتفاع قيمة وحداته، وأن من العدل مساهمته في تمويل التحسين الذي استفاد منه، ولكن الأرباح لا تعني توافر السيولة اللازمة لسداد مطالبات مفاجئة، كما أن ارتفاع القيمة لا يثبت مقدار المنفعة التي نشأت من الإنفاق العام، ولا يجوز تحميل المشترين تكاليف غير معلومة عند التعاقد أو افتراض أن الشركة قادرة على الاقتراض دون عبء اقتصادي إضافي.

غالبًا ما يُركز الاهتمام على ما تستطيع الدولة تحصيله في المدى القصير، متجاهلة ما قد تخسره من استثمارات وفرص عمل وإيرادات ضريبية مستقبلية مع ارتفاع المخاطر غير المحسوبة، فليس كل مبلغ يتم تحصيله اليوم بمثابة ربح صافٍ للاقتصاد إذ قد تفوق تكلفة انعدام اليقين قيمة المطالبة نفسها، لما له من تأثير على قرارات المستثمرين الحاليين والجدد.

في مقال سابق نشر عام 2018، حذر الكاتب من تحول سلطة الدولة في تنظيم استخدام الأراضي إلى أداة لفرض أعباء غامضة وغير قائمة على سند قانوني قوي، ولا يجد اليوم مبررًا للتراجع عن هذا التحذير بل يدعو لتوسيعه ليشمل ضرورة استقرار تكلفة الاستثمار العقاري، ووضوح قواعد «مقابل التحسين» وتوقيت استحقاقه وأسس تقديره، فنجاح جذب الاستثمار لا يتوقف على كثرة الحوافز والوعود، بل يتوقف على بيئة يعي فيها المستثمر التزاماته قبل ضخ أمواله، وقبل التساؤل عن كيفية تدبير المطور لمليارات الجنيهات بعد البيع يجب سؤال: ما هو التحسين الذي استوجبه ذلك؟ وكيف تم تقدير قيمته؟ ولماذا لم تُعرف تكلفته حين كان بالإمكان تضمينها في ميزانية المشروع؟

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin