أخبار العالم
الصناعة والتكنولوجيا تقود خطة الدولة.. ومصر تستهدف جذب 24.6 مليار دولار بحلول 2030

الاستثمار الأجنبي قاطرة النمو الاقتصادي في مصر حتى 2030
مصر استقبلت استثمارات أجنبية في القطاع العقاري بـ 3.5 مليار دولار
في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتزايد المنافسة بين الأسواق الناشئة على جذب رؤوس الأموال، تواصل الحكومة المصرية تنفيذ خطة طموحة لتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي ومصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي وتستهدف الدولة وفقًا لتصريحات وزير المالية أحمد كجوك، جذب استثمارات أجنبية مباشرة تتراوح بين 13 و14 مليار دولار خلال العام المالي الجديد، باستثناء الصفقات الاستثنائية، في إطار استراتيجية الاستثمار 2026-2030، التي تراهن على جذب استثمارات إنتاجية تسهم في نقل التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات، وتوفير فرص عمل جديدة.
وتأتي هذه التوجهات مدعومة بعدد من الصفقات الاستثمارية الكبرى التي شهدها السوق المصري خلال الفترة الأخيرة، سواء في القطاع العقاري أو الصناعي أو اللوجيستي، في ظل سعي الدولة إلى تنويع مصادر النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل عبر التركيز على الاستثمارات الإنتاجية الأكثر استدامة وتأثيرًا على الاقتصاد الحقيقي.
وترى قيادات الاقتصاد والاستثمار أن نجاح مصر في تحقيق مستهدفاتها يتطلب استمرار تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات وتوجيه الحوافز نحو القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، خاصة الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة باعتبارها الأكثر قدرة على زيادة الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية، وتعميق التصنيع المحلي، بما يدعم استقرار الاقتصاد الكلي خلال السنوات المقبلة.
وأجمع خبراء الاقتصاد في تصريحات صحفية لـ«العقارية» على أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل أحد أهم الأدوات الداعمة للاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية، ليس فقط باعتباره مصدرًا للعملة الأجنبية، وإنما لدوره في خلق فرص العمل ونقل التكنولوجيا وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وأكدوا أن الاستثمارات الموجهة للقطاعات الإنتاجية والتصديرية تعد الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مستدامة مقارنة بالتدفقات المالية قصيرة الأجل.
وأوضحوا أن الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات اللوجيستية تأتي في مقدمة القطاعات المرشحة لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل امتلاك مصر موقعًا جغرافيًا متميزًا وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية التي تتيح النفاذ إلى أسواق إقليمية ودولية ضخمة، ما يعزز من فرص التصدير وزيادة الموارد الدولارية.
وأشاروا إلى أن تحقيق المستهدفات الحكومية يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار، عبر تبسيط الإجراءات، واستقرار السياسات التشريعية، وتقديم حوافز ضريبية ذكية تستهدف زيادة المكون المحلي وتوطين الصناعات والتكنولوجيات الحديثة. وأضافوا أن جذب استثمارات جديدة في القطاعات الإنتاجية سيسهم في تقليل فاتورة الواردات، ودعم الصادرات وتعزيز استقرار سوق الصرف على المدى المتوسط والطويل.
وتستهدف الدولة المصرية رفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 16.1 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، مع خطة تصاعدية تستهدف 17.8 مليار دولار في 2026/2027 ثم 20 مليار دولار، و22.8 مليار دولار، وصولًا إلى 24.6 مليار دولار بحلول 2029/2030، وفقًا لـ»السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية.
وفي سياق آخر، جذبت مصر استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 10.7 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 46.6 مليار دولار في 2023/2024 والذي شهد طفرة استثنائية بدعم صفقة «رأس الحكمة».
كما حقق السوق المصري طفرة ملحوظة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مدفوعة بعدد من الصفقات الكبرى، في مقدمتها الصفقة الأضخم خلال العام الماضي لتطوير وتنمية نحو 4900 فدان بمنطقة علم الروم بالساحل الشمالي الغربـــي، باســــتثمارات تُقـــدر بنحـــو 29.7 مليار دولار.
كما سبق ذلك توقيع اتفاقية تطوير مشروع مراسي البحر الأحمر باستثمارات تقارب 19 مليار دولار، بين شركتي إعمار مصر التابعة لمجموعة إعمار العقارية الإماراتية، والشربتلي السعودية، إلى جانب الحكومة المصرية.
كما وقعت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويــس عقـــودًا لتنفيذ 44 مشروعًا صناعيًا بمنطقة القنطرة غرب، بإجمالي استثمارات يبلغ نحو 1.16 مليار دولار، ضمن جهود الدولة لجذب استثمارات صناعية وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وبالتوازي مع هذه الصفقات، تم توقيع استثمارات أخرى في قطاعات صناعية متنوعة شملت السيارات والملابس الجاهزة والمنسوجات والأجهزة المنزلية، في إطار توجه واضح لتنويع قاعدة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر.
وفي هذا السياق، أكد محمد فؤاد عضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، أن الدولة تتحرك وفق رؤية واضحة لتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع التركيز على قطاعات استراتيجية تشمل الصناعة التحويلية والصناعات الهندسية، والطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات الدوائية، والخدمات التكنولوجية والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، إلى جانب المشروعات التصديرية التي تستفيد من شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط مصر بالأسواق العالمية.
وأوضح فؤاد أن استقرار سعر الصرف يرتبط في المقام الأول بمعادلة العرض والطلب على النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد على عدة مصادر رئيسية للعملة الأجنبية تشمل تحويلات المصريين بالخارج والصادرات، والسياحة، وإيرادات قناة السويس، والاستثمارات الأجنبية.
وأشار إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يُعد من أكثر مصادر النقد الأجنبي استدامة مقارنة بالاستثمارات قصيرة الأجل أو ما يُعرف بـ»الأموال الساخنة» لارتباطه بمشروعات إنتاجية حقيقية ومصانع وأنشطة اقتصادية تخلق فرص عمل، ولا تتأثر سريعًا بتقلبات أسعار الفائدة أو الأوضاع المالية العالمية.
وأضاف أن أثـــر الاســـتثمار الأجنبي لا يتوقف عند ضخ العملة الأجنبية وقت تأسيس المشروعات، بل يمتد إلى زيادة الصادرات أو إحلال الواردات، بما يوفر تدفقات دولارية مستمرة ويحد من الضغط على الطلب على العملة الأجنبية وهو ما يدعم استقرار سوق الصرف على المديين المتوسط والطويل.
وشدد على أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل ركيزة مهمة للاقتصاد الوطني لكنه ليس الحل الوحيد لتحديات النقد الأجنبي، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يتطلب بالتوازي تعزيز الصادرات، وتنمية قطاع السياحة، وزيادة تحويلات المصريين بالخارج، وتعظيم الاستفادة من قناة السويس، إلى جانب ترشيد الواردات وتعميق التصنيع المحلي.
وفي السياق ذاته، قال مجد الدين المنزلاوي، رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس مجلس إدارة مجموعة طيبة للصناعات الهندسية، إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تُعد من أهم المحركات لخلق فرص العمل وزيادة معدلات التشغيل فضلًا عن دورها في تنشيط الاقتصاد وتحسين بيئة الأعمال.
وأضاف أن زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي تسهم في تعزيز استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار، إذ تؤدي إلى زيادة المعروض من النقد الأجنبي بما يخفف الضغوط على سوق الصرف ويحسن ميزان المدفوعات.
وأشار إلى أن مصر استقبلت مؤخرًا استثمارات أجنبية في القطاع العقاري بقيمة بلغت نحو 3.5 مليار دولار، مؤكدًا ضرورة توجيه جانب أكبر من التدفقات الاستثمارية إلى القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الصناعة والزراعة، لما تمثله من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأكد أن توجيه الاستثمارات إلى الصناعة والزراعة يعزز القدرة التصديرية، كما يدعم الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المصرية دخولًا إلى العديد من الأسواق دون رسوم جمركية، بما يمنح المستثمرين ميزة تنافسية كبيرة.
كما شدد على أهمية توفير أسعار إقراض ميسرة للقطاعين الصناعي والزراعي باعتبارها أحد العوامل المحفزة للتوسع الاستثماري وزيادة الإنتاج.
من جانبه، أكد حسام هيبة الرئيس التنفيذي السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، أن العديد من القطاعات الاقتصادية المصرية أصبحت محل اهتمام متزايد من المستثمرين الأجانب، في ظل ما توفره من فرص نمو وعوائد استثمارية واعدة.
وأوضح أن القطاع الصناعي يتصدر القطاعات الجاذبة للاستثمار، خاصة صناعات السيارات، والأجهزة المنزلية والغزل والنسيج، والصناعات الدوائية والهندسية والإلكترونية، لافتًا إلى أن شركات عالمية تدرس إقامة مصانع جديدة في مصر خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن أي استثمار جديد يرتبط بطبيعته بتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، سواء في القطاعات الصناعية أو الخدمية، مشيرًا إلى أن قطاعات تكنولوجيا المعلومات والتعهيد والطاقة والغذاء والزراعة والخدمات اللوجستية أصبحت من أكثر القطاعات جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية.
ولفت إلى تزايد الاستثمارات الخليجية في القطاع الزراعي، إلى جانب دخول استثمارات أوروبية في قطاعات متنوعة فضلًا عن النمو المتسارع في قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
وأكد أن زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر تسهم في دعم استقرار سوق الصرف لكن الأهم يتمثل في توافر العملة الأجنبية لتلبية احتياجات الاقتصاد، مشددًا على أن توطين الصناعة وتعزيز الصادرات يمثلان الحل الأكثر استدامة لتوفير النقد الأجنبي.
كما دعا إلى تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، بما يعزز تنافسية مصر ويرفع جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية.
وكان أحمد كجوك، وزير المالية، أعلن أن الحكومة تستهدف جذب استثمارات أجنبية مباشرة تتراوح بين 13 و14 مليار دولار خلال العام المالي الجديد، باستثناء الصفقات الاستثنائية الكبرى، موزعة على قطاعات الصناعة وتكنولوجيا المعلومات والقطاعات الإنتاجية المختلفة.
وفي السياق نفسه قال أشرف عبدالغني أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، إن القطاعين الصناعي والتكنولوجي يمتلكان أكبر فرص جذب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة، في ظل توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة.
وأوضح أن الحوافز الضريبية الذكية تمثل عنصرًا رئيسيًا في جذب الاستثمارات العربية والأجنبية، إلى جانب تشجيع المستثمر المحلي على التوسع، مشيرًا إلى ضرورة توجيه هذه الحوافز للأنشطة التي تحقق قيمة مضافة حقيقية.
وأضاف أن منح مزايا ضريبية للشركات التي تزيد المكون المحلي أو تنتج بدائل للسلع المستوردة من شأنه خفض فاتورة الواردات، وتقليل الضغط على النقد الأجنبي، ودعم الصناعة الوطنية.
وأشار إلى أن جذب الشركات المالكة للتكنولوجيا المتقدمة يمثل أولوية لنقل المعرفة والخبرات إلى السوق المصرية بما يعزز الإنتاج والتصدير ويرفع تنافسية الصناعة.
ولفت إلى أن مصر حافظت خلال السنوات الخمس الماضية على مكانتها كأكبر دولة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في أفريقيا، مع ارتفاع التدفقات السنوية من نحو 9-10 مليارات دولار إلى 12-13 مليار دولار، بما يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
وأكد أن نجاح جهود جذب الاستثمار يتطلب استمرار تطوير البيئة التشريعية وتبسيط الإجراءات، وتوفير مناخ استثماري تنافسي ومستقر، بما يضمن تحقيق مستهدفات الدولة الاقتصادية وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال السنوات المقبلة.




