بصيرة ماجد عثمان بين التفاؤل والتحديات الاقتصادية في مصر

سلط الدكتور ماجد عثمان، الرئيس التنفيذي لمركز «بصيرة»، الضوء خلال مؤتمر بمركز معلومات مجلس الوزراء على ظاهرة إيجابية في التركيبة السكانية لمصر تعرف علميًّا باسم «الهِبَة الديموغرافية» أو «النافذة الديموغرافية»، والتي تمثلت في انخفاض عدد المواليد بنحو 40% خلال العقد الماضي، ما يوفر فرصة مهمة للدولة للاستفادة منها
ببساطة، تشير الهِبة الديموغرافية إلى تراجع عدد المعالين في الأسرة والمجتمع، فعلى سبيل المثال إذا كان الشخص يعول أربعة أفراد سابقًا، فهو الآن يعول اثنين أو واحدًا فقط
وأكد الدكتور عثمان أن هذه الفرصة نادرة في المجتمعات التي تنجح في ضبط معدلات النسل، حيث تتيح إمكانية تقليل أعداد التلاميذ المطلوب توفير أماكن لهم في المدارس، ما يسمح بتحسين جودة التعليم إذا ما وُضعت السياسات الملائمة
ومع ذلك، يلاحظ أن الواقع الاقتصادي يطرح تحديات كبيرة تعيق تحقيق هذه الفائدة، خاصة في ظل اختلال موازين التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في مصر، والتي تتسم بأرقام سلبية مستمرة، ما يفرض السؤال حول ما إذا كان انخفاض عدد الأطفال كافيًا لتحسين التعليم، أم أن المشكلة تكمن في قدرة الدولة والاقتصاد على تمويل هذا التحسن
نظريًا، يؤدي انخفاض المواليد إلى تخفيف الضغط على المدارس والفصول والمعلمين تدريجيًا، ويمكن توجيه الموارد المتاحة نحو زيادة جودة التدريس، وتقليل كثافة الفصول، وتطوير المناهج، والتركيز على مهارات الطلاب بدلاً من الاكتفاء بتوفير مقاعد لهم
لكن هذا التأثير ليس تلقائيًا، لأن انخفاض المواليد الحالي لا يعني بالضرورة تناقص عدد الطلاب بنفس القدر مستقبلًا، خاصة مع الفارق الزمني بين الولادة والالتحاق بالمدارس، إضافة إلى تباين توزيع السكان والمدارس بين المناطق المختلفة
الأمر الأهم أن التخطيط لتوفير الموارد لا يضمن توافرها عمليًا، إذ تحتاج الدولة إلى زيادة الإنفاق الفعلي على جودة التعليم، بدلاً من إعادة توزيع أعداد أقل من الطلاب على الإمكانات المتاحة بالفعل
وتُظهر موازنة العام المالي 2025/2026 حجم التحدي، حيث بلغت مخصصات التعليم نحو 315.1 مليار جنيه، ومخصصات الصحة نحو 246.2 مليار جنيه بحسب بيانات وزارة المالية الواردة في تقرير موازنة الطفل
ويجب الانتباه إلى أن هذه الأرقام تمثل مخصصات اسمية، وارتفاعها بالجنيه لا يعني بالضرورة زيادة في قدرتها الشرائية أو تحسن مستوى الخدمات المقدمة، إذ أن الزيادة غالبًا ما تكون تضخمية ولا تتناسب مع حجم وجودة الخدمات
في هذا السياق، تبرز أهمية الاستحقاق الدستوري فيما يتعلق بالإنفاق الحكومي على التعليم والصحة، حيث تنص المادة 19 من الدستور على تخصيص ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الحكومي على التعليم، و1% للبحث العلمي، بينما تنص المادة 18 على تخصيص ما لا يقل عن 3% للصحة مع الالتزام بالزيادة التدريجية حتى الوصول إلى المعدلات العالمية
وبناء عليه، يجب ألا يشكل انخفاض المواليد مبررًا للاكتفاء بالإنفاق القائم، بل فرصة لرفع جودة الخدمات والاقتراب من الوفاء بالاستحقاقات الدستورية
غير أن مصروفات العام المالي الحالي 2026/2027 تظهر أن فوائد الدين تمثل 47% من الإنفاق الحكومي داخل الموازنة العامة للدولة، ما يعيق الاقتصاد المصري عن استغلال أي فرصة، بما فيها فرص التغيير الناتجة عن «الهبة الديموغرافية» التي أشاد بها الدكتور ماجد عثمان
كما أن ارتفاع أعباء الدين وتكاليف خدمته يحدّ من قدرة الموازنة على المناورة، ويفرض اختيارات صعبة بين الإنفاق الجاري والاستثمار في الإنسان، لذا الحل لا يكمن في زيادة الإنفاق فقط، وإنما في توجيه الموارد نحو رفع الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام بما يسهم في تمويل مستدام للصحة والتعليم
وهذه المشكلة تتجاوز حدود الموازنة، إذ لن تتحول «الهبة الديموغرافية» إلى ثروة إذا لم يوفر الشباب تعليمًا جيدًا، ورعاية صحية ملائمة، وفرص عمل منتجة
فقد تنخفض أعداد الأطفال، بينما تزداد أعداد المقبلين على سوق العمل، فتتحول هذه الفرصة إلى ضغط جديد ما لم ينجح الاقتصاد في خلق وظائف كافية لاستيعاب هذه الأعداد، مما يتطلب تمهيد الطريق أمام القطاع الخاص والابتكار والشركات الناشئة
ختامًا، ما قدمه الدكتور ماجد عثمان مهم في تسليط الضوء على الهبة الديموغرافية، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: كيف ستستثمر مصر المساحة التي يوفرها انخفاض المواليد؟ هل ستكتفي بتخفيف الضغط على المدارس والمستشفيات، أم ستوظف هذه الفرصة لبناء إنسان أكثر صحة وتعليمًا وقدرة على الإنتاج؟
فانخفاض معدل المواليد يمنح مصر فرصة ديموغرافية حقيقية، لكن الاقتصاد عبر توسيع الوظائف والإنتاج والموارد العامة وتنشيط القطاع الخاص المدعوم فقط قادر على تحويل هذه الفرصة إلى تنمية ملموسة يستفيد منها المواطن





