اهداف تركيا من تحالفي مكة وبدر وفق تحليلات الخبراء

تستضيف مدينة إسطنبول، اليوم الجمعة، أول اجتماع يجمع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية مع نظرائهم من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، لمناقشة قضايا تخص الشرق الأوسط وأوروبا وتعزيز التنسيق بين هذه الدول.
يأتي هذا الاجتماع في ظل توجه تركي متزايد نحو توسيع التحالفات وآليات التعاون الأمني مع دول الشرق الأوسط، في إطار سياسة خارجية جديدة تسميها أنقرة “تولّي دول المنطقة زمام المبادرة”.
وفي هذا السياق، لعبت تركيا دوراً فعالاً في تأسيس تحالف مكة الذي يضم السعودية وباكستان، ثم في توقيع مذكرة تفاهم بدر مع قطر وباكستان وإندونيسيا، مع سعي أنقرة إلى المساهمة في تشكيل منظومة أمنية إقليمية جديدة بالشرق الأوسط، وفتح أسواق جديدة أمام صناعاتها الدفاعية المتنامية.
سياسة “تولّي دول المنطقة زمام المبادرة”
بدأت تركيا تطبيق نهج جديد في سياستها الخارجية تحت هذا المسمى، وبشكل خاص عقب تعيين هاكان فيدان وزيراً للخارجية في يونيو 2023.
وأشار فيدان إلى أن أفضل طريقة لحل المشكلات الإقليمية هي إقامة آليات تعاون وتحالفات بين دول المنطقة نفسها، معتبراً أن التدخلات الخارجية من قوى كبرى تؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار.
وفي تصريحات أدلى بها في أغسطس، أكد فيدان أن تركيا تبني “منظومة أمنية إقليمية تعتمد على تولّي دول المنطقة زمام المبادرة”، وأكد أهمية تعزيز دور هذه الدول، معتبراً أن القوى الخارجية لا تحل المشكلات بل تزيدها تعقيداً وتكلفة.
وشدد على ضرورة أن تتجه دول المنطقة نحو أطر مؤسسية راسخة لضمان أمنها واستقرارها الاقتصادي وتنميتها.
وأثمرت الاتصالات التي أجراها الرئيس رجب طيب أردوغان وهاكان فيدان منذ 2023 عن إنشاء ثلاث آليات خلال هذا العام:
- الرباعية الإقليمية (R4): تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية.
- تحالف مكة: يضم تركيا وباكستان والسعودية.
- تحالف بدر: يضم تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا.
الآلية الأولى: الرباعية الإقليمية
بحسب مصادر في وزارة الخارجية التركية، تأسست هذه الآلية اعتماداً على مبدأ تولّي دول المنطقة زمام المبادرة، بهدف دعم الاستقرار الدائم وتعزيز الحوار حول القضايا الإقليمية.
عقد وزراء خارجية الدول الأربع أول اجتماع لهم في الرياض في 18 مارس 2026، وتبعته ست اجتماعات أخرى كان آخرها في نيويورك في 21 سبتمبر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ومن المقرر أن يلتقوا اليوم في إسطنبول مع وزراء خارجية مجموعة الدول الأوروبية الثلاثية (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) في أول اجتماع يجمع الطرفين بصيغته الجديدة لمناقشة قضايا تهم الشرق الأوسط وأوروبا وتعزيز التنسيق المشترك.
ومن المتوقع أن تتحول صيغة الرباعية الإقليمية والمجموعة الأوروبية الثلاثية (R4+E3) إلى منصة لعقد اجتماعات دورية مستقبلاً، حيث تبادل فيدان مؤخراً وجهات النظر مع نظرائه الأوروبيين حول إمكانية تطبيق نهج تولّي دول المنطقة زمام المبادرة على القضايا الأوروبية كذلك.
مصر لم تنضم إلى تحالف مكة
تركز آلية الرباعية الإقليمية أساساً على المشاورات السياسية وتبادل وجهات النظر، في حين وقعت تركيا وباكستان والسعودية اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، وأعلنت بذلك إنشاء تحالف يحمل اسم “تحالف مكة”.
لم تنضم مصر إلى هذا التحالف، وأشارت تقارير إعلامية دولية إلى اهتمام دول مثل قطر والكويت وبنغلاديش بالانضمام إليه.
وردًا على سؤال عن احتمالية انضمام أعضاء جدد، قال هاكان فيدان إن “هذا التحالف أُنشئ أصلاً بهدف التوسع”.
وفق اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي أُحيلت إلى البرلمان التركي للمصادقة عليها، تتولى الأطراف الأساسية وهي تركيا وباكستان والسعودية، اتخاذ القرارات بشأن انضمام دول جديدة مستقبلًا.
من أبرز بنود الاتفاقية، التي تضم 16 مادة، اعتبار أي هجوم مسلح من مصدر خارجي على أحد أعضاء التحالف هجوماً على جميع الأعضاء، وهو بند يشابه المادة الخامسة في معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي تنتمي إليه تركيا منذ 1952.
ويُعد هذا البند مؤشراً على شروع التعاون الأمني والدفاعي بين تركيا وباكستان والسعودية في مرحلة جديدة، ويجسد المنظومة الأمنية الإقليمية التي تحدث عنها فيدان.
هل سيزداد نفوذ تحالف مكة؟
اتخذت تركيا عبر تحالف مكة خطوة نوعية نحو إقامة علاقات أمنية في الشرق الأوسط، شبيهة بتلك التي تربطها بالدول الأوروبية والأطلسية.
وتؤكد تركيا والسعودية وباكستان بشكل مستمر أن التحالف لا يستهدف أي دولة، وعلى رأسها إسرائيل، وأن هدفه تعزيز مبدأي الردع والدفاع الجماعي، على غرار حلف الناتو.
وقد أعرب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن نظرة إيجابية تجاه هذه المبادرة.
ومع استمرار واشنطن في دراسة انسحاب كامل من الشرق الأوسط، رغم التوترات مع إيران، تُثار تساؤلات بشأن مدى زيادة النفوذ الإقليمي لدول تحالف مكة في المستقبل.
حتى الآن، لم تتمكن السعودية من إحباط هجمات الحوثيين في اليمن، ولم تتلق دعماً عسكرياً ملموساً من أعضاء تحالف مكة.
وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت الأسبوع الماضي أن موضوع تقديم دعم عسكري محتمل للسعودية قد يُناقش بعد مصادقة البرلمان التركي على اتفاقية التحالف.
أحدث خطوات تركيا: تحالف بدر
يشكل التعاون في الصناعات الدفاعية أساساً رئيسياً في علاقات تركيا الثنائية ومتعددة الأطراف مع دول المنطقة.
ويرتبط تحالف مكة أيضاً ببنود تشجع هذا التعاون بين الدول الأعضاء.
وتهدف مذكرة تفاهم بدر التي وقّعها في الدوحة في 21 أكتوبر 2026 مسؤولو الدفاع في تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا إلى تعزيز التعاون العسكري والجمع بين القدرات والإمكانات في قطاع الصناعات الدفاعية.
وفي بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية في 22 أكتوبر، جاء أن المذكرة تهدف إلى تنفيذ مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية، وزيادة أنشطة البحث والتطوير، وتعزيز البنية التحتية وسلاسل الإمداد، وتطوير قدرات الإنتاج المشترك، وإقامة شراكات استراتيجية طويلة الأمد ومستدامة بين الدول المشاركة.
وأضافت الوزارة أن تحالف مكة الدفاعي ومذكرة تفاهم بدر تمثلان دليلاً ملموساً على فاعلية تركيا على الساحة الدولية وتعاونها الاستراتيجي، وستسهمان في تعزيز السلام والأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
وأبدت الدول المشاركة في تحالف بدر اهتماماً بالمشاركة في مشروع المقاتلة التركية “قآن” (KAAN)، التي لا تزال تحت التطوير، وتعد أول مقاتلة تركية صُنعت محلياً.
وقد وقّعت إندونيسيا وباكستان مذكرات تفاهم مع تركيا بشأن هذا المشروع، وتسعى أنقرة عبر هذا التحالف إلى تطوير صناعاتها الدفاعية وتعميق التعاون مع الدول المشاركة من خلال الإنتاج المشترك وتنفيذ المشاريع التعاونية.





