د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

مدن وموانئ تاريخية غارقة تغيب عنها الشمس منذ قرون في أعماق البحار

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

لا تقتصر عظمة الحضارة المصرية على ما تركه الأجداد على ضفاف النيل والصحارى، بل تمتد خريطة الكنوز الفرعونية واليونانية والرومانية إلى أعماق البحار والمياه، حاملة أسراراً لموانئ تجارية ضخمة وقلعاً ملكية وسفن حربية وتجارية رقدت في قاع البحار لآلاف السنين.

تبدأ الرحلة بأقدم ميناء صناعي في العالم على ساحل البحر الأحمر، مروراً بعواصم الملوك والملكات في الإسكندرية، ووصولاً إلى مجرى نهر النيل العريق، حيث تكشف الآثار الغارقة عن صفحات نادرة من تاريخ مصر البحري الذي ربط الشرق بالغرب، وفقاً للوثائق والصور التي يوفرها قسم الآثار الغارقة على الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية.

أسرار البحر الأحمر

لم تكن الشواطئ الشرقية لمصر مجرد حدود جغرافية، بل كانت البوابة الأولى التي استخدمها القدماء المصريون لعبور العالم القديم، وتحت أمواج البحر الأحمر تختبئ أسرار شبكات التجارة العالمية والهندسة البحرية المبكرة، وأبرزها ميناء وادي الجرف الذي يُعتبر أقدم ميناء صناعي بحري في العالم.

يرجع تاريخ هذا الموقع الأثري إلى عهد الملك خوفو من الأسرة الرابعة نحو عام 2600 ق.م، ويعد إنجازاً هندسياً مبكراً، حيث تظهر بقايا منشآته المائية على شكل حرف (L) لاتيني بمسافة تمتد شرقاً نحو 160 متراً ثم جنوباً 130 متراً بعرض يتراوح بين 8 و14 متراً بعمق لا يتجاوز مترين، وقد صُمم هذا المبنى ليشكل حاجزاً للأمواج والتيارات الشمالية ويوفر مساحة مائية آمنة تزيد عن 5.67 هكتارات لرسو السفن وانطلاقها.

وأكدت عراقة الموقع كأقدم ميناء صناعي معروف عالمياً وجود 21 مرساة من الحجر الجيري تعود لعصر الأسرة الرابعة على بعد 120 متراً من الشاطئ الحالي، ما يبرهن أن قدماء المصريين كانوا مبدعين في الهندسة البحرية وأسسوا شبكة اتصال استراتيجية بين الساحل الشرقي لشبه جزيرة سيناء والبحر الأحمر.

حطام سفينة تجارية غارقة في جزيرة سعدانة

على الساحل الشمالي للبحر الأحمر قرب سفاجا، تحتضن جزيرة سعدانة حطام سفينة تجارية غارقة تعود إلى نحو عام 1760م، وتُكتسب أهميتها من صعوبة الإبحار في مياه هذه المنطقة الضحلة المملوءة بالشعاب المرجانية الخطرة.

بلغ طول السفينة حوالي 50 متراً، وكانت تحمل نحو 900 طن من البضائع، شملت خزفاً صينياً نادراً من عهد أسرة تشينغ موجه لأسواق الشرق الأوسط، وأنواعاً فاخرة من التوابل كالهيل والفلفل وجوزة الطيب القادمة من الهند، إلى جانب اللبان العماني، وجوز الهند، والزيتون، والبندق.

رغم أن تصميم السفينة لا يشبه الطرز المعروفة في تلك الحقبة، إلا أن تنوع محتوياتها كشف عن كثافة شبكات التجارة العالمية وحيوية الموانئ المصرية كحلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب.

الإسكندرية وعواصم الملوك تحت الماء

في اتّجاه الشمال نحو عروس البحر المتوسط تتغير معالم الآثار الغارقة من موانئ تجارية إلى قصور ملكية ومدن ابتلعتها المياه، حيث تزخر الإسكندرية بشواطئ وخلجان تحمل أسرار الحقبتين البطلمية والرومانية، وأصداء الحملات التاريخية الكبرى، وتبدأ هذه الحكاية من قلب الميناء الملكي:

1. الميناء الشرقي (الميناء الملكي)

يمتد الميناء بين رأس السلسلة شرقاً وقلعة قايتباي غرباً، وتبلغ مساحته نحو 600 هكتار بعمق يتراوح بين 2 و8 أمتار، وكان موقع الحي الملكي والعاصمة السياسية والثقافية لمصر في العصور القديمة.

بدأت الاكتشافات في الميناء عام 1961 بواسطة الغواص والباحث كامل حسين أبو السعادات، ثم جاءت مسوحات المعهد الأوروبي للآثار الغارقة عام 1992 باستخدام أحدث تقنيات المسح الأثري.

أسفرت الجهود عن تحديد تخطيط الميناء الذي ضم عشرة موانئ رئيسية منها الميناء الكبير والداخلي، وكشفت خطوط الساحل القديمة وحواجز الأمواج، إضافة إلى اكتشاف جزيرة أنتيرودوس وشبه جزيرة التيمونيوم الغنيتين بالبقايا المعمارية والسياسية والدينية.

2. موقع قلعة قايتباي وبقايا الفنار العظيم

قريباً من سابق الذكر، يمتد هذا الموقع من حافة قلعة قايتباي شرقاً مسافة 150 متراً وعلى عمق بين 6 و8 أمتار، ويحتوي على آثار أُلقيت في مياه الميناء عام 1167م بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي لمنع الغزو الصليبي القادم من قبرص، بالإضافة إلى بقايا منار الإسكندرية القديم وجزيرته التي دمرها زلزال.

تم انتشال أكثر من 3000 قطعة أثرية معمارية منتظمة في خط شمالي، منها أعمدة ضخمة وتماثيل وقواعد وتيجان، واختيرت 36 قطعة منها للعرض في ممر المسرح الروماني بكوم الدكة، كما تم العثور على 7 تماثيل ضخمة لأبي الهول وموقع حطام ثلاث سفن من العصر بين القرن الثالث ق.م والقرن السابع الميلادي.

3. موقع الشاطبي (القصور والمعابد الملكية)

يمتد الموقع شرقاً نحو منطقة الشاطبي أمام مكتبة الإسكندرية حالياً، وكان الحي الشرقي للمنطقة الملكية في العصر البطلمي، حيث أجريت أعمال تنقيب عام 1998 بواسطة المعهد الهليني، وأسفرت عن اكتشاف بقايا يُحتمل أنها معبد إيزيس أو قصر الملكة كليوباترا السابعة، إضافة إلى فخاريات وأوانٍ على طراز الأمفورات تعود للعصر الروماني المتأخر.

4. خليج المعمورة بوابة التجارة القديمة

يمتد خليج المعمورة في العصور القديمة من حدائق المنتزه غرباً إلى أبو قير شرقاً، محاطاً بالبوابة الرئيسية لدخول السفن القادمة من البحر المتوسط إلى نهر النيل عبر فرع النيل الكانوبي لنقل البضائع.

كشفت المسوحات الأثرية عن حطام سفينة رومانية وميناء صغير ورصيف من العصر اليوناني الروماني، ومحجر للحجر الجيري، وأحواض تدل على وجود مزارع سمكية وتجمع سكاني قديم.

5. خليج أبو قير.. المدن الغارقة وحطام أسطول نابليون

يقع خليج أبو قير شرقي الإسكندرية على بعد 22 كم، ويكتسب أهمية كبيرة بعد أعمال الغواصين عمر طوسون وكامل أبو السعادات وجاك دوما، ووفد المعهد الأوروبي للآثار تحت الماء برئاسة فرانك جوديو عام 1996، باستخدام تقنيات المسح المغناطيسي والصوتي.

ينقسم الموقع إلى قسمين رئيسيين، الأول حطام أسطول نابليون الذي يضم بقايا 6 سفن غارقة من الحملة الفرنسية منها سفينة القيادة “الشرق/أورينت” و”السيريوز” و”الجورييه”، حيث استُخرجت منها أسلحة وذخائر وعملات ومعدات ملاحة.

والثاني مواقع المدن الغارقة التي تشمل مدينتي شرق كانوب وهيراكليوم، وتقع الأولى على عمق 4 إلى 5 أمتار، والثانية على بعد 6 كم شمال شرق شاطئ أبو قير على عمق 5 إلى 7 أمتار، وهما مدينتان عريقتان غرقتا جراء تغيرات جيولوجية وزلزالية.

الشرايين المائية ومحاجر التاريخ في النيل

إذا كانت البحار تتضمن الموانئ والأساطيل والقصور، فإن نهر النيل في أقصى الجنوب كان الشريان الحيوي الذي نُقلت عبره كتل الأحجار لبناء الحضارة، حيث لعب النهر دوراً رئيسياً في النقل التجاري واللوجستي لأحجار الجرانيت والرمال الضخمة من محاجر أسوان وجبل السلسلة جنوباً إلى المعابد والمقابر شمالاً.

وثقت الدراسات وجود العديد من مراسي السفن الغارقة في مجرى النهر والتي توضح تفاصيل حركة الملاحة الملكية، منها موقع مرسى الأهالي الذي يُعتقد أنه الميناء الرئيسي لجزيرة إلفنتين التاريخية، إضافة إلى موقع معدية النجع البحري الذي يعكس كثافة حركة النقل النهري الملكي في مصر القديمة.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin