أخبار العالم
الدكتور هاني أبو العلا يكتب:دخول أساتذة الجامعات… هل تكون الحوكمة هي الحل؟

بعد إثارة الموضوع في مجلس النواب، يشغل المجتمع اليوم مسألة الدخول المتدنية للسادة أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، فلم يكن يجول بخاطر المواطن العادي إن قيمة أجر الأستاذ الجامعي لا يساوي قيمة ما يتقضاه عامل عادي. ولم يكن أحد يتصور أن تلك الفئة تتجرع مرارة الفقر حفاظا على كرامتهم، من منطلق الصيت ولا الغنى.
وفي هذا المقال نحاول أن نرصد أبعاد المشكلة ونضع تصورًا لبعض الحلول الممكنة: في البداية، إن كانت هناك مشكلة حقيقة ممثلة في تدني دخول السادة أعضاء هيئة التدريس، فما الذي يمنع من محاولات حلها، على الرغم من إن أعضاء هيئة التدريس، هم من يتصدرون الموقف في صناعة القرار في المجالس النيابية والوزارات؟ ولعل الإجابة تحكيها السطور التالية:
أستاذان لهما نفس الخبرات ودخلان مختلفان يدخل الأستاذ الدكتور أحمد قاعة المحاضرات الساعة الثامنة صباحًا ليدرس 300 طالب في كلية حكومية.
راتبه الأساسي لا يتجاوز 10000 جنيه، ويظل ينتظر أي مكافئة ربما لا تتعدى الألف جنيه، أو ساعات العمل الإضافي (مقابل الساعة التدريسية 2 جنيه) أوحوافز تصحيح (مقابل الورقة جنيه واحد).
وعلى بعد أمتار يجلس زميله في مكتب مكيف بإدارة الجامعة ليتقاضى راتبه، محملًا بهذا الفيئ من الحوافز، ما يجعله يرى في نفسه اختلافًا كبيرًا عن تلك الفئة الفقيرة.
وعلى بعد كيلومترات، يلقي زميل أخر نفس المقرر في جامعة حكومية أو أهلية مجاورة، ليحصل على ضعف هذا المبلغ، سواء من بيع كتاب لعدد مضاعف من الطلاب، أو من صندوق البرامج مدفوعة الأجر، مع مكافأت على كل طالب مسجل.
والمشهد ليس استثناءً بل إنه صورة مصغرة لأزمة العدالة المالية التي تضرب جسد التعليم الجامعي المصري منذ عقد. فبينما توسعت الدولة في إنشاء البرامج الخاصة والجامعات الأهلية، ظل الدخل الأساسي لأستاذ الجامعة الحكومية جامدًا، وأصبح الفارق بين من نال الحظ ليعمل في “البرنامج الخاص” أو في إدارات الجامعات ومن لا يعمل فيها فجوة يتم الحفاظ عليها وتزداد اتساعًا كل عام.
وعلى الرغم من إن السماح لأعضاء هيئة التدريس بالتنقل بين الجامعات وفقًا لرغبتهم وتيسيرا عليهم من مذلات السفر يعتبر من أهم العوامل التي تؤثر على جودة التعليم والبحث العلمي، وتسهم في تحسين بيئة العمل، وتساعد في تنوع الكفاءات، إلا إن طلبات نقل أعضاء هيئات التدريس تقابل غالبا بالرفض التعسفي من قِبل الأقسام العلمية في الجامعات، المطلوب النقل إليها، رغم وجود حاجة. إذ غالبًا ما تفتقر الجامعات إلى سياسات واضحة وشفافة بشأن نقل أعضاء هيئة التدريس، مما يؤدي إلى تباين في القرارات ورفض مبرر بأسباب واهية للطلبات.
والسبب في الغالب هو الحفاظ على هذا الفارق في دخول الأساتذة، مع عدم وجود جهة مركزية تتابع ذلك، ما من شأنه أن يتيح المجال للتعسف والتعنت من قبل بعض الأقسام العلمية لزملائهم، بل إنه يقتل فرص الاعتماد على معايير موضوعية.
لماذا أصبحت المساواة مطلبًا ملحًا؟ الجامعة المصرية، وإن نص الدستور على إنها جهات مستقلة، فجميعها تقوم على ثلاثة أعمدة مالية متوازية. العمود الأول هو الموازنة العامة للدولة التي تمول الرواتب الأساسية.
والعمود الثاني هو الصناديق الخاصة التي تتغذى من رسوم البرامج مدفوعة الأجر والدبلومات المهنية والخدمات الاستشارية. العمود الثالث هو الجامعات الأهلية التي تضع لائحة أجور مستقلة تمامًا.
والمُستغرب إن عضو هيئة التدريس يقوم بالتدريس في البرنامج المدفوع أو في الجامعة الأهلية بأضعاف ما يتقاضاه في الجامعة الحكومية، وقد خلق هذا التفاوت ثلاث ظواهر خطيرة.
الأولى هي “هجرة الكفاءات” حيث يسعى الأستاذ المتميز إلى التدريس في البرنامج المدفوع على أن يدرس في البرنامج العادي. أو أن يترك الجامعة ككل.
الثانية هي انقسام الولاء المؤسسي، فالأستاذ يشعر أنه موظف في صندوق خاص وليس في جامعة وطنية. الثالثة والأخطر هي تآكل جودة التعليم المجاني، لأن أفضل المقررات والوقت الذهني يذهب لمن يدفع أكثر، فضلا عن الاستماتة لعدم قبول نقل أي كفاءات.
وماذا نقصد بالمساواة؟ عندما نتحدث عن المساواة في الدخل، فنحن لا نقصد المساواة المطلقة توحيد الراتب ليصبح الجميع متساوين بغض النظر عن الكفاءة، فهذا قتل للتحفيز، فالمقصود هو “العدالة النسبية” التي تقوم على زيادة أساس الدخل، ليكون الراتب الأساسي والحوافز الثابتة لعضو هيئة تدريس في جامعة حكومية مساويًا مع زميله في جامعة أخرى لنفس الدرجة العلمية ونفس سنوات الخبرة.
وبما يضمن حدًا أدنى من الكرامة المعيشية ويمنع الهجرة العقول.
الأمر الآخر هو إن الصناديق الخاصة ليست شرًا مطلقًا.
وعلى العكس، فهي من تنقذ الجامعات من الانهيار بعد تجميد المخصصات الحكومية، لكن الإشكالية تكمن في آلية التوزيع، ما يخلق “جزرًا مالية” بين الجامعات، بل! داخل الجامعات ذاتها، فالقسم الذي له برنامج مدفوع ناجح يعيش في رفاهية، وقسم آخرلا يملك برنامجًا مدفوعًا أعضاءه بلا أي ذنب.
وهل الحوكمة هي الحل؟ لماذا لا يكون هناك “صندوق التكافل الأكاديمي” على مستوى الوزارة، يتم توريد 25% من صافي ربح كل برنامج مدفوع لهذا الصندوق المركزي، ويعاد توزيعه على ثلاثة بنود: 60% لرفع الراتب الأساسي لجميع أعضاء هيئة التدريس بكل الجامعات، 15% لدعم الأقسام غير الربحية، 25% للبحث العلمي والبعثات.
وماذا لو حوكمنا النقل بين الجامعات؟ في مصرنا الجديدة ومع قيادة سياسية واعية ووزير للتعليم العالي لا يترك سبيل للتطوير إلا ويطرقه، ألا تدعو الحاجة لإنشاء منصة مركزية موحدة لإدارة طلبات النقل، لتنظيم هذه العمليات وفقًا لضوابط، كما هو معمول به في وزارات أخرى، مما يقلل من التعسف والتمييز، بحيث يتم تسجيل جميع الطلبات بشكل موحد وشفاف، مع وضع معايير واضحة للقبول والرفض. ومتابعة الطلبات بشكل دوري ومحاسبة المقصرين لتقليل التدخلات الشخصية وتقويض فرص التعسف.
وهل ينعكس ذلك على جودة التعليم؟ العلاقة بين دخل الأستاذ وراحته النفسية والجسمانية وجودة التعليم ليست مباشرة، لكنها حاسمة عبر ثلاث قنوات: أولها: قناة الوقت: فالأستاذ الذي لا يحتاج للسفر لساعات طويلة وصولا لمقر عمله، والذي لا يلهث وراء 4 وظائف خارجية ليغطي مصاريفه، يستطيع أن يخصص 10 ساعات أسبوعيًا لإعداد محاضرة تفاعلية، أو لتوجيه طالب ماجستير، أو لكتابة بحث أصيل، فالوقت هو أغلى مورد أكاديمي، وهو ما تسرقه الفجوة المالية اليوم.
القناة الثانية هي قناة الانتماء: فعندما يشعر الأستاذ أن الجامعة الحكومية تقدره ماديًا كما تقدره معنويًا، يزداد ولائه، فبدلًا من أن يكون موظفًا ينتظر التقاعد، يصبح شريكًا في مشروع تطوير الكلية.
وهذا الانتماء ينعكس مباشرة على التزام الطلاب وانضباطهم.
والقناة الأخيرة هي قناة الاستثمار في الذات، فأستاذ دخله مستقر يستطيع أن يدفع 2000 دولار لينشر بحثه في مجلة قيمة، أو يسافر لمؤتمر دولي، أو يتعلم تقنية جديدة في الذكاء الاصطناعي. فالاستثمارات الصغيرة هي التي ترفع تصنيف الجامعة عالميًا.




