د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
صحة

انقطاع الطمث وتأثيره النفسي والاجتماعي بحسب تجارب النساء

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تلخص ناديا، سيدة تبلغ من العمر 52 عاماً، تجربتها مع انقطاع الطمث بقولها إنها كانت تتمنى أن تكون مطلعة أكثر على الأعراض التي ستواجهها، وأن تعلم أنها شائعة بين العديد من السيدات

تصادف ناديا خلال هذه المرحلة تغييرات جسدية ونفسية صعبة، مع شعور بأن المحيطين بها لا يفهمون ما تمر به، إذ أثرت الهبات الساخنة وزيادة الوزن على نومها، مصحوبة بتوتر وتقلبات مزاجية أحياناً تفاجئها هي نفسها

تضيف ناديا أن صعوبة التجربة لم تقتصر على الأعراض الجسدية، بل شملت أيضاً محاولة فهم التغيرات الحياتية في ظل نقص المعرفة المسبقة، رغم لجوئها إلى مساعدة طبية، إلا أن أهم ما ساعدها كان تقبل المرحلة باعتبارها جزءاً من حياة المرأة

توضح أخصائية النساء والتوليد تمارا جبر أن انقطاع الطمث مرتبط بتوقف عمل المبيضين وانخفاض هرموني الإستروجين والبروجسترون، الذي يحدث عادةً في سن الخمسين تقريباً، مع اختلاف التوقيت بين النساء

وتلفت إلى أن فهم هذه المرحلة يجب أن يتجاوز غياب الدورة الشهرية، فلتراجع مستويات الهرمونات تأثيرات متعددة على الجسم، لا سيما على صحة العظام والوظائف التناسلية، فيما تشتمل الأعراض على الهبات الساخنة واضطرابات النوم التي تؤثر بدورها على المزاج والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية

وتتوافق هذه الملاحظات مع تجربة ناديا التي عانت من صعوبة النوم والتوتر والقلق المزاجي

كما تربط جبر انخفاض الإستروجين بزيادة فقدان كثافة العظام وخطر هشاشتها، إلى جانب احتمال ظهور أعراض في الجهازين البولي والتناسلي مثل الجفاف والتهيج والالتهابات، مؤكدة أهمية المتابعة الطبية لتقييم المخاطر واختيار الفحوصات والعلاجات المناسبة لكل امرأة بدلاً من اعتبار الأعراض طبيعية لا تستدعي الاهتمام

حلقة مغلقة

تشير الأخصائية النفسية سيرين الخطيب إلى أن الألم المزمن المصاحب لانقطاع الطمث يؤثر بشكل واضح على الصحة النفسية، حيث تقدر بعض الدراسات أن نحو ثلث النساء يعانين من أعراض القلق والاكتئاب وقد تصل النسبة إلى 40% من السيدات

وتوضح أن هذه المعاناة لا ترتبط فقط بالتغيرات الهرمونية، بل تتداخل معها زيادة الحساسية للألم والضغوط النفسية وتأثير الأعراض على الحياة اليومية، مؤكدة أن استمرار الألم قد يجعل المرأة تشعر بفقدان السيطرة على جسدها ويزيد الإحساس بالعجز والإحباط

توضح الخطيب أن العلاقة بين الألم والتوتر متبادلة؛ فالألم الجسدي يزيد من التوتر، والتوتر يزيد الإحساس بالألم، وذلك بسبب تداخل شبكات معالجة الألم والمشاعر في الدماغ، حيث يرفع القلق ويزيد اليقظة شدة الألم

وتضيف أن اضطرابات النوم تعمق هذه الدورة؛ فالألم يضعف جودة النوم، وقلة النوم تزيد التوتر الذي بدوره يزيد الإحساس بالألم، مما يخلق حلقة مغلقة يصعب تفكيكها بمعالجة عامل واحد فقط

جسدي أصبح عبئاً

يمتد تأثير انقطاع الطمث إلى صورة المرأة عن نفسها وعلاقتها بالآخرين، حيث تدفع التغيرات الجسدية والألم واضطرابات النوم وتبدل المزاج بعض السيدات إلى الشعور بأنهن أقل أنوثة وجاذبية، حتى وصف بعضهن أنفسهن بـ”خفيات” وأن أجسادهن أصبحت “عبئاً”

وتحذر الخطيب من أن الصور النمطية التي تصف النساء بأنهن “عاطفيات” أو “مبالغات” قد تؤدي إلى تردد في طلب المساعدة النفسية، خاصة في ظل الثقافة الشائعة التي ترى أن الألم والتغيرات النفسية أمور طبيعية لا تستدعي التدخل

أما البروفيسورة روسيلا نابي، رئيسة الجمعية الدولية لانقطاع الطمث، فتؤكد أن آلام النساء غالباً ما تُهمل استناداً إلى صور نمطية جنسانية، حيث تُصنف تلك الآلام على أنها عاطفية دون تشخيص وعلاج مناسبين

وترى نابي ضرورة الاعتراف بالألم المزمن في منتصف العمر كعنصر أساسي ضمن رعاية مرحلة انقطاع الطمث، داعية إلى تبني نهج يتناسب مع الفروق بين الجنسين ويعتمد خطط علاجية فردية ومتعددة التخصصات

تأسست الجمعية الدولية لانقطاع الطمث عام 2009 وأعلنت اليوم العالمي لسن اليأس في 18 أكتوبر/تشرين الأول، بهدف رفع الوعي بهذه المرحلة حيث تسلط الجمعية هذا العام الضوء على الألم المزمن الذي يعاني منه كثير من النساء في منتصف العمر خلال الانتقال إلى سن اليأس وما بعده

المتابعة الطبية

تشدد الدكتورة تمارا جبر على أهمية المتابعة الصحية خلال مرحلة انقطاع الطمث لتقييم صحة المرأة والكشف عن المشكلات التي قد تتطور بصمت، ولا سيما المتعلقة بصحة العظام

تشمل الفحوصات قياس كثافة العظام عبر فحص “ديكسا” إضافة إلى مجموعة من الفحوصات المخبرية المحددة، مع الالتزام ببرامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم، إذ يزداد خطر الإصابة بهما بعد انقطاع الطمث

حول العلاج الهرموني، تشير جبر إلى أنه يعوض هرمونات الجسم التي لم تعد موجودة طبيعياً، لكنه ليس خياراً موحداً للجميع، إذ تعتمد ملاءمته على طبيعة الأعراض والعمر والتاريخ الطبي، بما في ذلك وجود سرطانات أو جلطات أو أمراض القلب والأوعية الدموية سابقاً

توضح أن حالة انقطاع الطمث المبكر تختلف، حيث ينصح بالعلاج الهرموني لحماية المرأة من مشكلات صحية قد تظهر مبكراً مثل هشاشة العظام

وبجانب المتابعة الطبية، تشير الأخصائية النفسية سيرين الخطيب إلى أدوات نفسية تساعد النساء على التكيف مع الألم والتغيرات المصاحبة، منها العلاج المعرفي السلوكي الموجه للألم وعلاج القبول والالتزام

وتدعم هذه الأساليب إجراءات أخرى مثل تنظيم النوم وممارسة نشاط بدني يتناسب مع الحالة الصحية، مؤكدة أن المعاناة ليست دليلاً على الضعف، وطلب المساعدة ليس استسلاماً ولا يُطلب من المرأة أن تكون قوية بصمت

تختتم ناديا تجربتها بالحديث عن أهمية الاطلاع المسبق على الأعراض الشائعة، معتبرة أن المعرفة والاستعداد يسهلان فهم هذه المرحلة، وتنصح النساء بالاهتمام بصحتهن وتثقيف أنفسهن واستشارة الطبيب لإيجاد العلاجات الملائمة وقبول التغيرات التي تمر بها المرأة

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin