د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

تحليل: روسيا تواجه تحديات متزايدة في اليمن وسط تغير موازين القوى والانقسامات

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

نادراً ما تتناول الجهات الروسية الرسمية والإعلامية التطورات في اليمن رغم تصاعد الحرب الأهلية وتداعياتها خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026، رغم الأهمية الاستراتيجية لليمن والعلاقات التاريخية بين روسيا وجنوب اليمن الموالي للاتحاد السوفيتي فضلاً عن الدور الإيراني في الأحداث الجارية.

تشير التغطية المحدودة إلى أن روسيا لا تكتفي بدورها كوسيط في الصراع، بل يُزعم تقديمها دعمًا لجماعة أنصار الله المدعومة من إيران، التي يحتفظ المسؤولون الروس باتصالات علنية معها.

يرى معلقون روس من مؤيدين ومعارضين أن روسيا تحقق مكاسب من الصراع، منها ارتفاع أسعار النفط وانشغال الولايات المتحدة بالحرب في اليمن على حساب أوكرانيا، ومع تطور التحالفات في اليمن تسعى موسكو لاستمالة الأطراف كافة عبر بيانات متزنة وإشارات محدودة للدعم، وذلك للحفاظ على قنوات اتصال ونفوذ استراتيجي بغض النظر عن الطرف الذي سيحقق الغلبة في النهاية.

ما طبيعة الحضور الدبلوماسي الروسي في اليمن

تتحرك الدبلوماسية الروسية في اليمن ضمن شبكة معقدة من المصالح المتضاربة والتنافس بين الأطراف، فقد علقت موسكو وجودها الدبلوماسي في صنعاء عام 2017 ونقلت عملياتها القنصلية إلى السعودية. وبعد سبع سنوات، أعلنت روسيا خططًا لاستئناف أنشطتها القنصلية في اليمن من مدينة عدن عاصمة الحكومة المعترف بها دولياً منذ تصاعد الصراع عام 2015.

وصفت الحكومة اليمنية المعترف بها القرار الروسي بأنه انتصار رمزي لها، وقال السفير اليمني في روسيا إن هذا القرار يعكس دعم موسكو للحكومة الشرعية.

وفي الوقت نفسه، ترسخت لعلاقات روسيا تاريخيًا مع جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وخلال مقابلة في 12 أكتوبر أكد نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو استمرار التواصل مع الجماعة منذ فترة طويلة، موضحًا أن لديها ممثلاً خاصًا في سلطنة عُمان تستخدمه روسيا في قنوات الاتصال معهم.

كما تحتفظ وكالات الأنباء الروسي الحكومية ريا نوفوستي وتاس بعلاقات مع أنصار الله وفق ما نشرته صحيفة نوفايا غازيتا أوروبا.

زار وفدان من أنصار الله موسكو في يناير ويوليو 2024 حيث التقيا نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، الذي ندد حينها بالغارات التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على أهداف تابعة للجماعة ووصفها بـ “غير المتناسبة”.

تعود العلاقات الروسية مع أنصار الله إلى 2016 على الأقل عندما طلب ممثلون من الجماعة مساعدات إنسانية من موسكو، وفي المقابل أعرب بوغدانوف للحكومة اليمنية في عدن عن “القلق الروسي البالغ” إزاء القتال، بينما نفى دبلوماسيون دعم روسيا الرسمي للجماعة.

على الرغم من تناقص وتيرة الاتصالات الدبلوماسية المعلن عنها، لا تزال روسيا تحتفظ بقنوات اتصال مع الأطراف الرئيسية في الصراع، ومن بينها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات الذي له نفوذ في جنوب اليمن ويخوض مواجهات مع الحكومة المعترف بها دولياً.

يؤدي خروج أعضاء المجلس الانتقالي من الحكومة في يناير 2026 إثر فشل هجومهم إلى تجدد الخلافات والمواجهات داخل المعسكر المضاد لأنصار الله.

كيف تحدد روسيا موقفها من الأزمة اليمنية

مع تصاعد الصراع بين أنصار الله والحكومة المعترف بها دولياً في خريف 2026 أبدت روسيا رغبة في لعب دور وسيط بين الأطراف، ونفى نائب وزير الخارجية ألكسندر أليموف تلقيها دعوة رسمية لذلك، مؤكداً استعدادها للعمل بنية صادقة كوسيط محايد دون فرض نفسها على الساحة.

بينما أكد المتحدث باسم بوتين دميتري بيسكوف عدم تلقي طلب رسمي للوساطة، ظهرت مؤشرات لاحتمالية انفتاح أنصار الله على دور روسي، إذ عبر مسؤول بارز في الجماعة في 14 أكتوبر عن ترحيبهم بأي وساطة لإنهاء الحرب والحصار.

وأشار إلى أن عمان وروسيا والصين تدخلت كجهات وساطة لوقف إطلاق النار مع السعودية. ونائب وزير الخارجية بوريسينكو وصف الصراع بلغة دبلوماسية حذرة، من دون تحديد المسؤول عن التصعيد، مدينًا الهجمات على المنشآت المدنية ومؤكدًا اعتراف روسيا بالحكومة المعترف بها ودعم وحدة اليمن مع استمرار الاتصالات مع أنصار الله.

كيف تستفيد روسيا من جماعة أنصار الله

قال الباحث سيرغي سيريبروف إن أنصار الله ينظرون إلى روسيا إيجابيًا ويقدرون دعمها للتسوية السلمية المبنية على نهج الأمم المتحدة، وأضاف أن روسيا تدعم رسمياً الحكومة المعترف بها لكنها لم تقطع تواصلها مع الجماعة.

في 2024 تعهدت الجماعة بتأمين مرور آمن للسفن الروسية في البحر الأحمر، كما ذكر نائب وزير الخارجية، ووردت تقارير عن تجنيد الجماعة “مئات” اليمنيين للقتال ضمن القوات الروسية في أوكرانيا.

لكن الفائدة الكبرى التي تحصل عليها موسكو بشكل غير مباشر ترتبط بارتفاع أسعار النفط، حيث أشارت وكالة ريا نوفوستي إلى أن موازنة روسيا لعام 2026 بُنيت على سعر 59 دولارًا للبرميل لكنها تحقق عوائد أكبر مع تجاوز الأسعار 90 دولارًا.

وبعد سيطرة أنصار الله على مضيق باب المندب ارتفعت أسعار النفط الروسي في موانئ البحر الأسود والبلطيق إلى نحو 100 دولار، وفق مصادر تجارية نقلتها نوفايا غازيتا أوروبا.

قالت المحللة يكاتيرينا كريلوفا إن الأسواق قد تبدأ بالاستقرار في ربيع 2027، فيما أشار معلق عسكري إلى أن تصاعد التوتر في البحر الأحمر يصب في مصلحة روسيا، إذ يقلل من الموارد الأمريكية التي تُوجه للحرب في أوكرانيا.

هل تقدم روسيا مساعدات لجماعة أنصار الله

يدعي بعض المعلقين الروس أن الجماعة تتلقى دعمًا عسكريًا مباشرًا من روسيا، مثل مدونة “ميليتاريست” التي نسبّت تقديم موسكو دعمًا استخباراتيًا لإيران وأنصار الله، كما أشار موقع “موست ميديا” إلى زيادة اهتمام موسكو بالجماعة نتيجة تأثير عملياتها البحرية في رفع أسعار النفط وتعقيد التجارة بين الغرب وشرق آسيا رغم مواردها المحدودة.

وأضاف التقرير أن الاتصالات بين الجماعة والكرملين أصبحت منتظمة، مع تقارير عن مساعدات روسية تشمل أسلحة وغذاء واستخبارات، بدون تقديم أدلة واضحة على ذلك.

في 2024 دعا صحفيون روس إلى تسليح أنصار الله، لكن لم تُرصد عمليات تنفيذية بهذا الشأن.

يرى معارضون للكرملين والغرب أن الجماعة قد تكون حليفًا مفيدًا لروسيا، حيث كتب القائد العسكري السابق إيغور غيركين أن روسيا لا تواجه خلافات مع أنصار الله وأنه لو كانت القيادة الروسية كفؤة لكان ينبغي تقديم الدعم للجماعة.

ماذا عن علاقات روسيا مع السعودية والإمارات

لا تقتصر مصالح روسيا على جماعة أنصار الله، فهي تسعى للحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية، مع استمرار الاتصالات بخاصية الثنائية مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، الذي يعد خصمًا للسعودية.

في هذا السياق أدانت موسكو الهجمات التي نفذها أنصار الله على مطارات سعودية، ففي 8 سبتمبر وصف وزير الخارجية سيرغي لافروف هذه الهجمات بأنها “غير مقبولة” و”تؤدي إلى نتائج عكسية” خلال محادثاته مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان.

في 22 سبتمبر دعا بوتين إلى وقف العمليات القتالية وإطلاق حوار يمني-يمني تحت رعاية الأمم المتحدة خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وصفت إحدى قنوات المدونة العسكرية الروسية “ريبار” قدرة روسيا على التنسيق مع كل من أنصار الله والسعودية بأنها مزيج نادر ومفيد من قنوات الاتصال، حيث تحتفظ روسيا باتصالات غير رسمية مع الحوثيين وتنسق سياساتها في التحالف مع الرياض.

ورأت القناة أن نجاح روسيا في دعم ملف اليمن يمنحها آلية تأثير إضافية على السعوديين.

تعتمد روسيا على دول الخليج لتخفيف عزلتها الاقتصادية بعد غزو أوكرانيا، وأصبحت أبوظبي شريكاً اقتصادياً متزايد الأهمية بقيمة تجارة غير نفطية تصل إلى 20.4 مليار دولار في 2025.

ويمثل الهجوم السعودي على ميناء المكلا اليمني في ديسمبر 2025 أول مواجهة علنية مباشرة مع الإمارات، التي انسحبت من اليمن بعد شهر، ومع استمرار التنافس بين الرياض وأبوظبي، يواصل بوتين الاتصال بكليهما، داعياً إلى الحوار وضمان السلامة في الملاحة البحرية، متجنبًا المواقف التي تثير خلافات معها.

كيف ينظر المعلقون الروس إلى التطورات المستقبلية

يرى المعلقون الروس أن جماعة أنصار الله الطرف الأكثر أهمية في اليمن، وقالت صحيفة إزفستيا المقربة من الكرملين في 7 أكتوبر إن قدرة الجماعة على تهديد خطوط الملاحة البحرية تحمل أهمية استراتيجية تتجاوز حجم الأراضي التي تسيطر عليها.

قال سيميون باغداساروف مدير مركز دراسات الشرق الأدنى وآسيا الوسطى إن قوات الحكومة في عدن تعاني ضعفًا شديدًا في القدرة القتالية وانتشار الهروب من الخدمة العسكرية.

وأكد ليونيد تسوكانوف من المجلس الروسي للشؤون الدولية في تصريحات صحفية أن الخطط العسكرية للحكومة لا تتوافق مع الواقع، وأن أنصار الله نجحوا في بناء منظومة دفاع إقليمي مشابهة لتلك التي تعتمدها قوات الباسيج الإيرانية.

وأشار باغداساروف إلى الدعم الإيراني الكبير للجماعة، لكنه رأى أن قدرة طهران على تزويد أنصار الله بالأسلحة تقلصت مع الحصار الأمريكي على مضيق هرمز.

وفي تحليل نشرته صحيفة فيدوموستي الاقتصادية، قال الباحث يوري ليامين إن جماعة أنصار الله تتفوق على خصومها في القدرات العسكرية والإدارية والأيديولوجية، وأضاف أن التحالف السعودي-الإماراتي لم يعد يعتمد على قوات سودانية لمواجهة الجماعة كما كان في منتصف العقد الماضي.

توقع نيكيتا سماغين الخبير المقيم في المنفى أن تستمر جماعة أنصار الله بهجومها بعد السيطرة على شمال اليمن، بهدف تعزيز ثقلها على الساحة الإقليمية والدولية.

ورجح موقع موست ميديا أن تبقى الجماعة الطرف المسيطر على مجريات الأمور في اليمن خلال المستقبل القريب، مستندة إلى فقر محيطها ودمارها كحلفاء فعّالين بجانب الدعم الخارجي، وإلى قدرتها على تعطيل التجارة الدولية ورفع أسعار النفط وفرض أجندتها على القوى الكبرى، مع وجود زبائن لهذه الخدمات.

كيف ينظر المعلقون الروس إلى الدور الأمريكي

تطرق معلقون روس إلى دور الولايات المتحدة في الأزمة اليمنية، حيث كتب مراسل وكالة ريا نوفوستي سيرغي شيلوف على قناة “شهود بيرقدار” في 13 سبتمبر أن سيطرة أنصار الله على مضيق باب المندب عززت أزمة الوقود العالمية.

وقال شيلوف إن ترامب لم يحسب في خططه العسكرية قدرة إيران أو أنصار الله على الصمود، وفي منشور لاحق في 17 سبتمبر أشار إلى أن التطورات في اليمن أضرت بفعالية مشروع القانون الأمريكي “عقوبات من الجحيم” المستهدف لعائدات النفط الروسية.

وأضاف أن استمرار الأزمة في المنطقة أفقد العقوبات الأمريكية الفاعلية، معبرًا عن ارتياحه لذلك.

من جهته، زعم المعلق اليميني نيكولاي ستاريكوف أن الولايات المتحدة عمدت إلى زعزعة استقرار المنطقة وأقامت اتصالات مع أنصار الله.

وادعى خلال برنامج إذاعي في 6 أكتوبر أن الأمريكيين رسمياً أو بشكل غير رسمي يسمحون للجماعة بمواصلة تقدمها، وأن هدفهم إشعال حرب شاملة لتعزيز قوة الدولار الأمريكي.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin