محطات الدعم المصري للسعودية في 2024 من تعهد السيسي إلى التأجيل البرلماني

تسير مصر رسميًا في مسار دعم مملكة السعودية في مواجهتها مع جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بدءًا من تعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدفاع عن المملكة، مرورًا باجتماع مجلس الدفاع الوطني وإعلانه الاستعداد لتقديم الدعم، ووصولًا إلى مناقشة البرلمان تفويضًا محتملًا للقوات المسلحة، قبل أن يقرر مجلس النواب تأجيل التصويت على هذا التفويض للأسبوع المقبل في ظل تباين آراء النواب حول طبيعة التحرك العسكري وحدوده وتداعياته.
وتزامنت هذه التطورات مع رصد طائرتي شحن عسكريتين مصريتين داخل الأجواء السعودية، وسط تساؤلات حول طبيعة الدعم المصري المحتمل.
إعلان السيسي
انطلقت الخطوات العملية يوم السبت خلال كلمة ألقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي بحفل تخريج دفعة من طلاب الأكاديمية العسكرية المصرية، حيث أكد أن مصر لن تسمح بالمساس بأمن واستقرار السعودية، معلنًا استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة.
وطلب السيسي من مجلس النواب عقد جلسة طارئة لمنحه تفويضًا باتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية السعودية إذا اقتضت الضرورة، في خطوة تهدف إلى توفير غطاء مؤسسي لأي تحرك عسكري محتمل بدلاً من الاكتفاء بإعلان التضامن السياسي.
وشدد الرئيس على أن مصر لا تسعى للحرب أو مهاجمة أي طرف، وإنما تتحرك بدافع الدفاع والحماية، داعيًا إلى وقف الحرب في المنطقة، مع التأكيد على أن أي تحرك سيكون وفق التوجيهات السعودية، مشيرًا إلى الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
كما استعرض السيسي الدعم الاقتصادي الذي قدمته السعودية والإمارات والكويت لمصر بعد عام 2013، بما شمل إمدادات النفط والغاز والقمح، في إشارة إلى الروابط السياسية والاقتصادية التي ترتكز عليها القاهرة في تبرير موقفها.
قرار مجلس الدفاع
في صباح الأحد، عقد مجلس الدفاع الوطني المصري اجتماعًا برئاسة السيسي في قصر الاتحادية، بمشاركة كبار المسؤولين بمن فيهم رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة.
وأعلن المجلس تضامنه الكامل مع السعودية، وقراره تقديم “جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمن المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها وصون مقدراتها والمقدسات الإسلامية”، في ظل تصاعد الاعتداءات التي تتعرض لها المملكة.
وأكد المجلس أن الموقف المصري يستند إلى العلاقات التاريخية والروابط الوثيقة بين البلدين، وإلى ارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي.
وشدد على مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية عبر التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية بهدف خفض التصعيد وتسوية الأزمات بوسائل سلمية.
وبيّن عبد الفتاح فايد، محرر الشؤون المصرية في الجزيرة، أن اجتماع مجلس الدفاع يعكس انتقال الدعم المصري من حالة التضامن السياسي والدبلوماسي إلى الاستعداد لاتخاذ إجراءات تنفيذية عند الضرورة، في ظل تصاعد الأزمة الإقليمية.
وأوضح أن هذا المجلس لا يجتمع إلا في الظروف الاستثنائية وحالات الطوارئ، مما يحمل دلالات أمنية وسياسية مهمة، مشيرًا إلى أن الإجراءات المحتملة لم تحدد بعد وقد تشمل الجوانب القانونية والبرلمانية والسياسية واللوجستية استعدادًا لاحتمال تصاعد الأزمة أو عدم التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
جلسة طارئة للبرلمان
عقد مجلس النواب جلسة طارئة يوم الأحد لبحث طلب السيسي، لكنها انتهت دون التصويت النهائي على قرار الدعم الدفاعي للسعودية.
وفي يوم الاثنين، قرر البرلمان تأجيل التصويت إلى الأسبوع المقبل، إذ أكدت مصادر للجزيرة أن الجلسة لم تشهد تصويتًا، وتم تأجيله إلى الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول.
تباينت مواقف الأحزاب صاحبة الهيئات البرلمانية بشأن التفويض، حيث أيدت بعض الهيئات من أحزاب الوفد والشعب الجمهوري والعدل التفويض باعتباره خطوة ضرورية لحماية الأمن القومي العربي، بينما أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي عزمه الامتناع عن التصويت نظرًا لغياب المعلومات الكافية حول طبيعة المهمة والتكاليف والتداعيات.
ويستند طلب السيسي إلى المادة 152 من الدستور المصري التي تنظم إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، وتشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء.
ويوضح هذا الإجراء أن الإعلان عن الاستعداد لتقديم الدعم لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بإرسال قوات إلى الخارج، إذ يتيح التفويض الغطاء الدستوري لأي مهمة قتالية محتملة من دون تحديد طبيعة المهمة أو توقيت تنفيذها أو حجم القوات المشاركة، ما يفسر أهمية النقاشات البرلمانية التي شهدت مطالب بمزيد من التفاصيل قبل التصويت.
طائرتان عسكريتان في الأجواء السعودية
تزامنًا مع اجتماع مجلس الدفاع وجلسة البرلمان الطارئة، رصدت بيانات المراقبة الجوية يوم الأحد ظهور طائرتي شحن عسكريتين تابعتين للقوات الجوية المصرية في الأجواء السعودية.
ووفق تقرير وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة، فإن الطائرتين من نوع “لوكهيد سي-130 هيركوليز”، وظهرتا داخل المجال الجوي السعودي بين الساعة 8:24 و11:15 صباحًا بتوقيت مكة المكرمة، ثم اختفت إشاراتهما بعد عبور أجواء جدة والتوغل شرقًا.
ورُصد لاحقًا وجود إحدى الطائرتين فوق شمال غرب المدينة المنورة عند الساعة 2:48 ظهرًا، قبل أن تختفي إشارتها أثناء تحليقها باتجاه الشمال الغربي فوق منطقة الوجه المطلة على البحر الأحمر.
ولم تتمكن الجزيرة من التحقق المستقل من مكان هبوط الطائرتين.
ما حدود الدعم المصري؟
في ظل المخاوف المتزايدة من اتساع المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أوسع، تتباين التقديرات بشأن أشكال الدعم المصري المحتمل، بين المساندة الدفاعية والتنسيق الاستخباري والعسكري واللوجستي، مع استبعاد الانخراط المباشر في معارك ضد الحوثيين أو إيران.
وتشمل السيناريوهات المطروحة التنسيق العسكري والاستخباري، وتبادل المعلومات، والدعم الفني واللوجستي، إلى جانب المساندة الدفاعية ضد التهديدات الجوية والصاروخية.
ويستبعد الخبراء الانخراط في مواجهات برية مباشرة داخل اليمن بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة والتحديات العسكرية، فضلاً عن المخاطر التي قد تهدد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتزيد الأعباء الاقتصادية والأمنية على مصر.
قال السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم الأسبق لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إن الدور المصري سيقتصر على الدفاع عن السعودية ولن يمتد إلى المشاركة في هجمات عسكرية ضد إيران أو الحوثيين، مشيرًا إلى أن الدعم المتوقع يهدف إلى توفير المساندة اللازمة للحفاظ على أمن المملكة وسلامة أراضيها ومقدراتها ومواجهة الهجمات التي تتعرض لها.
وشدد الخبراء على أن طلب التفويض لا يعني اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة في عمليات قتالية، ولكنه يوفر الغطاء القانوني للتحرك المحتمل، في حين تظل طبيعة المهمة مرتبطة بالتطورات الميدانية والاحتياجات السعودية والقرار السياسي المصري.
وعن القدرات العسكرية المصرية، يشير الخبير الاستراتيجي العميد سمير راغب إلى امتلاك مصر قوات بحرية تغطي نطاقًا واسعًا من خليج السويس حتى المحيط الهندي والخليج، إضافة إلى قوة جوية حديثة بمقاتلات من طراز رافال و”ميغ-29″ و”إف-16″، إلى جانب أنظمة دفاع جوي متكاملة ومتوافقة مع منظومة “باتريوت” السعودية.
ما الذي يدفع القاهرة إلى دعم الرياض؟
يعتبر المحللون أن التحركات المصرية تستند إلى عدة عوامل متداخلة من أبرزها:
- أمن الخليج والبحر الأحمر: ترى القاهرة أن أي تدهور في أمن السعودية ومنطقة الخليج يؤثر على أمنها القومي، لا سيما في ظل التهديدات للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، التي تمس مصالح مصر في قناة السويس.
- العلاقات الإستراتيجية والاقتصادية: أشار السيسي إلى الدعم الخليجي الذي تلقته مصر بعد عام 2013، مع تأكيد رويترز اعتماد الاقتصاد المصري على تحويلات العاملين في دول الخليج، إضافة إلى الاستثمارات والمساعدات والودائع التي قدمتها السعودية ودول خليجية أخرى.
- تصاعد التهديدات العسكرية: أدت ازدياد الهجمات الحوثية على البنية التحتية السعودية إلى رفع مستوى المخاوف من اتساع نطاق المواجهة.





