نائبا رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي يوجهان إشارات واضحة للأسواق

تعهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بعدم تقديم إشارات واضحة للمستثمرين حول توجه أسعار الفائدة مستقبلاً، إلا أن أبرز معاونيه أشاروا خلال هذا الأسبوع إلى استعدادهم لتقديم إشارات أكثر وضوحاً، وهو ما لاقته الأسواق باهتمام مستمر.
في خطابين منفصلين، أكد نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي فيليب جيفرسون ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز أن لديهم الوقت الكافي لتقييم أداء الاقتصاد قبل التفكير في رفع أسعار الفائدة مجدداً، مما أدى إلى انخفاض توقعات المستثمرين بشأن احتمال رفع الفائدة في الاجتماع القادم.
ورغم ذلك، لا تعني هذه التصريحات توقف الاحتياطي الفيدرالي عن تعديل سياسته النقدية، إذ يواصل المسؤولون تحذيرهم من ارتفاع التضخم، مع توقع أن تلعب بيانات أسعار المستهلكين المقررة صدورها في 14 أكتوبر دوراً محورياً في هذا النقاش.
المبالغة في توقعات رفع الفائدة
رصد مراقبون للسياسة النقدية أن الرسالة الرئيسة من خطابَي جيفرسون وويليامز كانت واضحة، حيث تبين أن المتعاملين في الأسواق بالغوا في رهاناتهم على رفع جديد لتكاليف الاقتراض بعد زيادة البنك المركزي أسعار الفائدة في 16 سبتمبر، في ظل قفزات كبيرة في عوائد السندات دفعت تكاليف الاقتراض للارتفاع الحاد.
وقبل خطاب ويليامز يوم الثلاثاء، كان السوق يقدر احتمال رفع الفائدة خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر بنحو 70% حسب تسعير العقود الآجلة، إلا أن هذا الاحتمال تراجع إلى نحو 25% بعد خطاب جيفرسون يوم الخميس، مدعوماً ببيانات تضخمية أقل من المتوقع.
ويليامز يشغل منصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ويتمتع بحق تصويت دائم على قرارات السياسة النقدية، كما يشغل نائب رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، ويُنظر إليه كجزء من “الثلاثي القيادي” في البنك المركزي إلى جانب رئيس الاحتياطي الفيدرالي ونائبه.
عند تولي رؤساء سابقين، كانت تصريحات نائب الرئيس أو رئيس بنك الاحتياطي في نيويورك تُستخدم أحياناً كإشارات لسياسة الثلاثي القيادي، رغم غياب أدلة على تنسيق بين جيفرسون وويليامز أو مع وارش في خطابهما الأخير.
وأكد اقتصاديون في “غولدمان ساكس” أن تجمع تصريحات جيفرسون وويليامز عزز لديهم قناعة عدم احتمال رفع الفائدة في أكتوبر، وهو ما تبناه محللون آخرون أيضاً.
رسالة مشتركة إلى الأسواق
كتب رئيس قسم الاقتصاد في “إيفركور آي إس آي” كريشنا غوها وفريقه في مذكرة للعملاء أن الرسالة المشتركة من جيفرسون وويليامز تبدو موثوقة، فيما اعتبر مايكل فيرولي كبير الاقتصاديين المختصين بالاقتصاد الأميركي لدى “جيه بي مورغان تشيس” أن الخطابين يمثلان محاولة لإدارة توقعات الأسواق بأن من غير الضروري رفع الفائدة في كل اجتماع، ويمكن توزيع زيادات الفائدة على فترة أطول.
وفي سبتمبر، صوّت مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بالإجماع على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في أول زيادة منذ 2023، وسط مؤشرات على تسارع النشاط الاقتصادي واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، مع توقعات تؤيد زيادة إضافية واحدة خلال العام الحالي.
في المقابل، ابتعد وارش عن توجيه توقعات الأسواق تجاه أسعار الفائدة، متجنباً المساهمة في التوقعات الفصلية أو الإشارة إلى تحركات مستقبلية للسياسة النقدية، وأوصى المستثمرين بالتركيز على البيانات الاقتصادية كمصدر للإشارات.
لقد نال هذا التوجه دعماً واسعاً، مع انتقادات لطريقة التوجيه المستقبلي التقليدية التي ترى أنها قد تقدم قيمة محدودة في فترات تتسم بتغير سريع في البيانات الاقتصادية ويصعب فيها على صانعي السياسة متابعة مسار الاقتصاد بدقة.
بيانات التضخم وسوق العمل
مثّل الأسبوع الحالي مثالاً بارزاً، إذ أظهرت بيانات التضخم وسوق العمل نتائج أضعف من المتوقع، مما يشير إلى عدم وجود حاجة ملحة لرفع الفائدة مجدداً، بينما استمر إنفاق المستهلكين وعزز نمو الاقتصاد.
وكشفت إلين ميد، أستاذة الاقتصاد في جامعة ديوك التي قدمت المشورة لمجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي لسنوات، أن تصريحات جيفرسون وويليامز لا تصل إلى مستوى التوجيه المستقبلي الحقيقي، بل تعبر عن تمهّل في اتخاذ القرارات وجمع المزيد من البيانات.
ورغم أن ويليام إنغليش، أستاذ الإدارة بجامعة ييل والمدير السابق في قسم بالاحتياطي الفيدرالي، أكد أن خطابات جيفرسون وويليامز لم تكن منسقة، بل أبدى كل منهما وجهة نظره بشأن الاقتصاد والسياسة النقدية، فإن هذا لم يمنع انتشار تأثير موحد بين الرسالتين.
وفي نفس الأسبوع، شهد مؤتمر في أشفيل بولاية نورث كارولاينا مشاركة ثلاثة من رؤساء البنوك الإقليمية للاحتياطي الفيدرالي الذين تجنبوا تقديم أية مؤشرات على توجهاتهم، حيث اكتفوا بالإشارة إلى انتظار البيانات القادمة وتطور الأوضاع الاقتصادية.
فقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند: “دعونا نرى كيف ستتطور الأمور”، في إشارة إلى التريث وعدم التسرع في تحديد مسار رفع الفائدة.
حاجة ملحة لتحريك الفائدة؟
تبع تصريحات جيفرسون وويليامز ما قالته ميشيل بومان، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي وكبيرة مسؤولي الرقابة المصرفية، بأن لا حاجة ملحة لتحريك أسعار الفائدة مجدداً في الوقت الراهن.
على النقيض، عبرت لوري لوغان، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، والمدافعة القوية عن رفع أسعار الفائدة هذا العام، عن احتمال الحاجة إلى عدة زيادات إضافية لإعادة التضخم إلى الهدف الرسمي بنسبة 2%، لكنها أشارت أيضاً إلى ارتفاع علاوات الأجل في سوق السندات التي قد تسهم في إبطاء الاقتصاد.
خلال فترة خمسة أيام، أعادت الأسواق تسعير توقعاتها بشكل حاد تجاه سياسة الفائدة المتبقية لعام 2023، وتمثل ذلك في تعديل احتمالات رفع الفائدة والاستجابة لخطابات المسؤولين والبيانات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أوضح إريك واليرستين، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى “كلوك تاور غروب” ومستشار سابق لمحافظ الاحتياطي الفيدرالي ستيفن ميران، أن تصريحات جيفرسون وويليامز جاءت كمحاولات واضحة لتصحيح توقعات الأسواق التي اعتبرها المسؤولون غير دقيقة، لافتاً إلى أن سلوك المسؤولين المعتاد هو التحدث إلى السوق عند ملاحظة اختلاف في التقييم بين الأسعار والواقع.





