مراكز خارج الحدود الأوروبية وجه جديد في سياسة الهجرة تواجهها أوروبا

توصل وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى اتفاق نهائي بشأن تشريع ينظم إجراءات إخراج من رُفضت طلبات لجوئهم من دول الاتحاد، وتحديد أماكن إيوائهم في حال تعذر ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، في تحول واضح في السياسة الأوروبية تسارع بعد أزمة سبتة غير المسبوقة صيف العام الماضي، وفق موقع تاغسشاو.
وافق مجلس الاتحاد الأوروبي نهائياً على لائحة جديدة للترحيل، عقب مصادقة البرلمان الأوروبي عليها في يونيو/حزيران، لتُنهِي بذلك المسار التشريعي. وتسمح اللائحة بإنشاء “مراكز العودة” خارج حدود الاتحاد، حيث يمكن نقل الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية بالمغادرة إلى دولة ثالثة ليست بالضرورة بلدهم الأصلي، شرط وجود اتفاق مع هذه الدولة واحترامها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية، مع استثناء القاصرين غير المصحوبين بذويهم من هذه الإجراءات.
المشكلة الأوروبية: قرارات كثيرة مقابل ترحيل محدود
يأتي هذا التشدد في سياق محاولة معالجة أزمة مزمنة تواجه أوروبا منذ سنوات، حيث بلغت نسبة تنفيذ قرارات العودة في 2025 نحو 28% فقط، وهي أعلى نسبة منذ عشر سنوات، بحسب البرلمان الأوروبي. ويُعزى ذلك إلى تحديات تشمل صعوبة تحديد بلد المنشأ في بعض الحالات، ورفض بعض الدول استعادة مواطنيها، بالإضافة إلى عدم امتثال بعض الأشخاص لأوامر المغادرة.
وبجانب مراكز الترحي، تنشئ اللائحة “أمر عودة أوروبي” لتسهيل تبادل قرارات الترحيل بين الدول الأعضاء، وتُلزم الأشخاص المخاطبين بالتعاون مع السلطات، مع إمكانية فرض عقوبات مثل تقليص بعض الإعانات أو حوافز العودة الطوعية، وفرض غرامات أو عقوبات جنائية في حالات الرفض المتعمد للتعاون. كما يمكن احتجاز الأشخاص المصنفين خطراً أمنياً لفترات تصل إلى أكثر من 24 شهراً وفرض قيود طويلة أو غير محددة قبل السماح بعودتهم إلى الاتحاد، إذا كان ذلك متناسباً مع مستوى الخطر.
صدمة سبتة وتغيير مسار النقاش
سارعت أزمة سبتة في 30 يوليو/تموز الماضي التي شهدت دخول عشرات آلاف المغاربة إلى الجيب الإسباني خلال فترة قصيرة، النقاش الأوروبي حول الهجرة. وتُقدر دراسة صادرة عن خدمة الأبحاث في البرلمان الأوروبي عدد الوافدين بما يقارب 80 ألف شخص، أعيد معظمهم إلى المغرب خلال أيام، لكن الأزمة أبرزت حساسية الحدود الأوروبية تجاه تدفقات هجرة جماعية وفجائية.
ومن منظور عدة حكومات أوروبية، لم تعد الهجرة مسألة إنسانية وأمنية فحسب، بل قد تُستخدم كوسيلة ضغط جيوسياسي فضلاً عن كونها نتيجة لحملات تضليل وتهريب منظمة، بحسب تصريحات وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت الذي دعم وضع قواعد استثنائية في حالات الأزمة تسمح بعدم تطبيق إجراءات اللجوء التقليدية. وأكد أن وصول أعداد كبيرة بشكل مفاجئ بسبب التضليل أو شبكات التهريب يتطلب آلية تدخل مختلفة، وفق وكالة الأنباء الألمانية.
وبرنامج المفوضية الأوروبية الذي أعلنت عنه رئيستها أورسولا فون دير لاين في سبتمبر/أيلول، يتجه نحو تبني إطار أوروبي للاستجابة للأزمات يوفر مرونة مؤقتة حين يُعتقد أن تدفقات المهاجرين تُوجَّه أو تُستخدم كسلاح ضد الاتحاد، بينما لم تُحدد بعد التفاصيل النهائية لهذا الإطار الذي يتقاطع مع آليات الأزمة القائمة في نظام اللجوء الأوروبي الجديد.
ألمانيا ودول أخرى تدعم مراكز العودة الخارجية
تدعم عدة دول، بينها ألمانيا والنمسا والدنمارك واليونان وهولندا، فكرة إنشاء مراكز العودة الخارجية، وأعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت عن محادثات أولية مع دول ثالثة، آملاً التوصل إلى اتفاق ملموس لإنشاء مركز من هذا النوع قبل نهاية العام، دون الكشف عن أسماء الدول المعنية رسمياً.
وتواجه هذه الفكرة تحديات كبيرة على الصعيد العملي، إذ أن إصدار التشريع داخل أوروبا أسهل بكثير من إقناع دولة خارج الاتحاد باستقبال أشخاص ليسوا من مواطنيها لفترات قد تطول. ويُعتمد نجاح المشروع على الدبلوماسية والموارد المالية والحوافز التجارية والتأشيرات الأوروبية بقدر ما يعتمد على التشريع نفسه. وتعترف المفوضية الأوروبية بأن سياسة العودة تقوم على تعاون الدول الثالثة، وتستخدم أدوات تشمل التمويل وسياسة التأشيرات والتجارة لتعزيز هذا التعاون.
عقبات حقوقية وقانونية
تشير تجارب دولية مثل أستراليا مع ناورو وبابوا غينيا، والمشروع البريطاني السابق مع رواندا، والنموذج الإيطالي في ألبانيا، إلى أن نقل إجراءات الهجرة إلى الخارج مكلف ومعرّض للطعن القانوني. فقد أُنهى المشروع البريطاني بعد إنفاق مبالغ ضخمة دون نقل أعداد كبيرة، بينما واجه النموذج الإيطالي سلسلة اعتراضات قضائية.
أما السؤال القانوني الكبير فيتمثل في أن أوروبا تستطيع نقل الأشخاص خارج حدودها لكنها لا تستطيع نقل مسؤولياتها القانونية، فالقانون الأوروبي يشترط احترام حقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية. وتحذر منظمات حقوق الإنسان من صعوبة مراقبة أوضاع المحتجزين في مراكز تقع في دول ثالثة، ومن المتوقع أن تصبح هذه المراكز نقاط نزاعات قضائية حول ظروف الاحتجاز ومسؤوليات الدول وإمكانية الوصول إلى القضاء.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تراجعت فيه أعداد الدخول غير النظامي وطلبات اللجوء في السنوات الأخيرة، ما يشير إلى أن التحول في السياسة مدفوع أيضاً بالمزاج السياسي الأوروبي والقلق الأمني وضغط الأحزاب اليمينية، إلى جانب أحداث فجائية مثل أزمة سبتة.
وبناءً على ذلك، يرى مراقبون أن القرار الجديد يمثل تحركاً نحو إدارة سياسة الهجرة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، مع بقاء تحديات كبيرة تتعلق بإيجاد دول مستعدة لاستضافة مراكز العودة، وضمان عدم تحولها إلى مراكز احتجاز، وإثبات قدرة النظام على زيادة عمليات الترحيل بالفعل.



