روسيا تلوح بأسلحة نووية ضد الغرب في تحركات من السويس إلى كالينينغراد

تمتد التهديدات النووية الروسية تجاه الغرب إلى ما قبل الحرب الأوكرانية، حيث تعود جذورها إلى عقود الحرب الباردة، إلا أن التحذيرات الأخيرة أعادتها إلى الواجهة في ظل غياب أي معاهدة تقيّد الترسانتين الروسية والأمريكية للمرة الأولى منذ أكثر من خمسين عاماً.
أزمات الحرب الباردة: الصواريخ وسيلة ضغط
دخل السلاح النووي خطابات السوفياتية السياسية بعد تمكن موسكو من تصنيع القنبلة عام 1949، ومنذ ذلك الحين كان استخدام هذا السلاح أداة ضغط في أزمات عدة، أبرزها أزمة السويس عام 1956 عندما هدّد رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بولغانين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بإمكانية استخدام الصواريخ النووية ضدها.
تبلغت أزمات الحرب الباردة ذروتها في أكتوبر 1962 أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، مع نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية في كوبا قرب السواحل الأمريكية، واحتدم التوتر حتى كاد يندلع نزاع نووي عالمي استمر 13 يوماً إلى أن انتهت الأزمة بسحب السوفيات صواريخهم مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا، إذ تضمنت التسوية أيضاً سحباً سرياً لصواريخ أمريكية من تركيا وفق روايات لاحقة.
وفي عام 1983، تصاعدت المخاوف مجدداً عندما اعتبرت موسكو أن مناورات حلف الناتو “إيبل آرتشر” قد تكون غطاء لهجوم مفاجئ، وفي العام نفسه كاد إنذار كاذب في منظومة الإنذار المبكر السوفياتية أن يتحول إلى كارثة نووية.
مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي: تغيّر العقيدة النووية
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تخلت روسيا في عقيدتها العسكرية لعام 1993 عن تعهد “عدم المبادرة باستخدام السلاح النووي” الذي أعلنه الاتحاد السوفياتي سابقاً، وفي العام 2000 عدّلت العقيدة لتسمح باستخدام الأسلحة النووية كرد على هجوم نووي أو عدوان تقليدي واسع يهدد وجود الدولة.
بعد ضم شبه جزيرة القرم في 2014، كشف الرئيس فلاديمير بوتين استعداده لوضع قوات الردع النووي في حالة تأهب، وفي مارس 2018 أعلن عن منظومات نووية جديدة منها صاروخ “سارمات” والمركبة الانزلاقية “أفانغارد” في رسالة اعتبرها محللون موجهة إلى الغرب.
حرب أوكرانيا: عودة التهديدات النووية
مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، حذّر بوتين من عواقب “لم تروها من قبل” في حال تدخل قوات أجنبية، وأمر خلال أيام بوضع قوات الردع النووي في حالة تأهب خاصة، ثم في سبتمبر 2022، وبالتزامن مع إعلان التعبئة الجزئية، أكد أن موسكو ستستخدم “كل الوسائل المتاحة” للدفاع عن أراضيها، نافياً أن يكون ذلك مجرد تهديد فارغ.
وفي فبراير 2023، أعلنت روسيا تعليق مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”، ثم بعد أسابيع أعلن بوتين نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروس، وأجرت موسكو في 2024 مناورات متخصصة باستخدام هذه الأسلحة.
وفي نوفمبر 2024، أقرّت روسيا نسخة معدلة من عقيدتها النووية لتخفيض عتبة استخدامها، حيث تعتبر أي هجوم تقليدي تشنه دولة غير نووية بدعم من دولة نووية “هجوماً مشتركاً”، وفي أعقاب ذلك استخدمت صاروخ “أوريشنيك” الجديد في ضربة على مدينة دنيبرو الأوكرانية.
نهاية معاهدة “نيو ستارت”: انعدام القيود النووية
في سبتمبر 2025 عرض بوتين تمديد الالتزام بالحدود الرئيسية لمعاهدة “نيو ستارت” لعام إضافي بعد انتهائها، شريطة المعاملة بالمثل، لكن الاتفاق انتهى رسمياً في 5 فبراير 2026 ورفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العرض، مفضلاً التفاوض على اتفاق جديد ومحدّث، ما أدى إلى غياب سقف ملزم للترسانتين الاستراتيجيتين الروسية والأمريكية، فضلاً عن توقف عمليات التفتيش المتبادلة وتبادل البيانات.
وتصر موسكو على الالتزام بالحدود إذا فعلت واشنطن ذلك، بينما ترفض الصين الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية الأطراف.
التهديدات النووية بين الجدية والمناورة السياسية
يرى محللون أن الخطاب النووي الروسي يُستخدم بشكل أساسي لردع الدعم الغربي لأوكرانيا وسعيه إلى إثارة الانقسامات داخل حلف الناتو، فيما لم تظهر حلفاء الغرب أي استجابة فعالة لهذه التهديدات حتى الآن، في حين تحذر منظمات معنية بنزع السلاح من تصاعد خطر الاستخدام النووي منذ 2022، حتى وإن بقيت هذه التهديدات في إطار الخطاب الكلامي.
وتظل روسيا تملك أكبر ترسانة نووية في العالم مع حوالي أربعة آلاف رأس نووي حسب تقديرات متداولة، بينما يبقى مستقبل الحد من التسلح النووي معلقاً بين موسكو وواشنطن وبكين.




