د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

تطورات وضع السائقين المصريين العالقين في السودان وأسباب التأخير

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

أثار حادث إطلاق النار الذي أودى بحياة سائقين مصريين وإصابة ثالث في سوق محلي جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم أزمة ميدانية وإنسانية معقدة، امتدت تداعياتها على طول مسار التجارة البرية حتى شمال السودان، حيث وجد عدد من السائقين المصريين أنفسهم محاصرين داخل الحظائر الجمركية في وادي حلفا، وسط تصاعد تهديدات بالانتقام ووقوعهم في مأزق قانوني يمنعهم من العودة بشاحناتهم.

بدأت الواقعة في ظهر 12 أكتوبر الجاري، حين فتح مسلح يستقل دراجة نارية النار بشكل مفاجئ على السائقين المصريين أثناء تواجدهم في أحد أسواق الخرطوم حوالي الساعة الثانية ظهراً، قبل أن يلوذ بالفرار. وفي وقت لاحق من ذات اليوم، أعلنت الشرطة السودانية القبض على المشتبه به ومصادرة السلاح المستخدم، ووصفت الحادث بـ”حادث جنائي فردي”، وهو التوصيف الذي أكده السفير المصري لدى السودان ياسر سرور عقب تلقيه اتصالات رسمية من السلطات المحلية وتلقيه تعازي والي الخرطوم.

تطورات أزمة السائقين المصريين في السودان

تابعت وزارة الخارجية المصرية ملابسات الحادث بهدف إنهاء إجراءات نقل جثماني الضحيتين برا وجوا إلى مصر، والاطمئنان على استقرار الحالة الصحية للسائق المصاب الذي خضع لجراحة ناجحة. ونفى المتحدث باسم الخارجية ربط الحادث بأي دوافع انتقامية متعلقة بمنقبي الذهب في المناطق الحدودية، مؤكداً عدم ثبوت تلك الادعاءات.

مع ذلك، أثرت الواقعة بشكل سلبي على سائقي الشاحنات في الميدان، حيث كشف السائق محمد الحص، المتواجد بالحظيرة الجمركية بمدينة وادي حلفا، عن انتشار تهديدات ورسائل تحريضية تستهدف ملاحقة السائقين، رغم أن الشاحنات العالقة على الحدود الشمالية تبعد أكثر من 1000 كيلومتر عن مكان الجريمة في الخرطوم.

تجربة السائقين وعودة الشاحنات إلى الحدود

روى الحص تفاصيل الرحلة الشاقة لقوافل الشاحنات التي كانت تقوم بتفريغ حمولاتها في مدينتي الخرطوم وأم درمان واضطرت إلى الانسحاب شمالاً، موضحاً أن الشاحنات عادت بحراسة من القوات السودانية، لكنها تعرّضت لأضرار كبيرة نتيجة رشق الحجارة، حيث تحطم زجاج كابينة عدد من الشاحنات وكادت الاعتداءات أن تودي بحياتهم، معتبراً أن الوضع يشبه الثأر بينهم وبين السكان المحليين.

أكد الحص أن وجود الحراسة الأمنية كان السبب في تمكن القوافل من الوصول، مشيراً إلى تعرض الشاحنات لهجمات متفرقة وهتافات معادية تتهم السائقين بنهب الموارد. ورغم ذلك أشار إلى أن الشاحنات المصرية تنقل آلاف الأطنان من السلع الأساسية مثل الدقيق والسكر والأرز والصلصة والمعلبات والمجمدات، بالإضافة إلى الأسمنت ومعدات التعدين ومواد البناء، وتعتمد الأسواق السودانية بالكامل على هذه السلع الحيوية.

المأزق في الحظيرة الجمركية وتأثيره على السائقين

تتبلور المعضلة الأكبر في ساحة الانتظار الجمركية بوادي حلفا، حيث تنتظر مئات الشاحنات المحملة بالبضائع في حالة من الجمود التنفيذي، إذ قال الحص إنهم محتجزون دون معرفة مصيرهم، فلا يُمكنهم التقدم إلى الخرطوم وأم درمان لتفريغ الحمولات بسبب المخاطر الأمنية، ولا يمكنهم العودة إلى مصر لأن ذلك يفرض على التاجر السوداني إتمام إجراءات إعادة التصدير وتحمل تكاليفها، وهو ما يرفضه التجار تماماً.

وأضاف أن الأزمة تفاقمت بعد أن أقامت مجموعات محلية حواجز ترابية أغلقت الطريق الرابط بين الحظيرة والمعبر الحدودي على مسافة 30 كيلومتراً، مما أدى إلى احتجاز الشاحنات الفارغة العائدة في العراء وتعطيل حركة الشاحنات المحملة.

وفي وصفه للأوضاع المعيشية داخل الحظيرة، أكد الحص أنهم لا يجرؤون على الخروج بسبب الخوف، مضيفاً أنه موجود هناك منذ 12 يوماً، ويعتمدون على المعلبات والأطعمة الجافة بعد نفاد الأغذية الطازجة، نتيجة عدم القدرة على التوجه إلى الأسواق المحلية.

القرارات والتنسيق بين مصر والسودان

عقب تطورات الأزمة، أصدرت الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة تعليمات بوقف عبور كافة شاحنات البضائع المتجهة إلى ميناء قسطل البري وتجميعها في ساحة مجلس مدينة أبو سمبل حتى استقرار الأوضاع في الولاية الشمالية بالسودان، مع الاقتصار على عبور الحافلات وسيارات الركوب الخاصة فقط، وذلك تزامناً مع استمرار تعليق حركة الشحن عبر معبري أشكيت وأرقين بسبب احتجاجات تجارية تتعلق بقيود الاستيراد الشخصي.

وفي سياق متصل، وجهت شعبة خدمات النقل الدولي واللوجستيات بالغرفة التجارية بالإسكندرية، بناءً على توجيهات جهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي، تحذيرات صارمة للسائقين بعدم تجاوز نطاق مدن وادي حلفا وأرقين ودنقلة، مع التشديد على اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر.

أكد السفير نادر زكي، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، لصحيفة “الشرق الأوسط”، استمرار التنسيق الأمني والسياسي العميق مع الخرطوم للتعامل مع الحادث الجنائي، مشيراً إلى اتصالات وزيري خارجية البلدين بدر عبد العاطي ومحيي الدين سالم لتثبيت هذا التعاون.

ومن جهة أخرى، استبعد السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، أن تؤثر هذه الحوادث على ملفات التنسيق الاستراتيجي بشأن مياه النيل والبحر الأحمر. وفي السودان، أعلن مجلس السيادة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بخصوص مزاعم الاحتكاكات في مناطق التعدين الحدودية، بينما أكد العقيد أحمد عتمان، المتحدث العسكري المصري، مواصلة جهود تأمين الحدود الجنوبية ومكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية لتعزيز السيادة الوطنية ورفض الشائعات المغرضة.

تأثير الأزمة على أسواق أم درمان

أدى احتجاز الشاحنات وتوقف تدفق السلع إلى انعكاسات سلبية مباشرة داخل السودان؛ حيث وثقت صحيفة “دارفور24” المحلية ارتفاعاً قياسياً في أسعار المواد التموينية في سوق مدينة أم درمان بعد يومين فقط من تعليق عبور الشاحنات عبر ميناء قسطل.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin