د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

قصة امرأة في العصور الوسطى تكشف معركتها القانونية ضد الاعتداء الجنسي طلباً للعدالة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

يستعرض كتاب جديد معركة قانونية خاضتها امرأة بعد تعرضها لاعتداء جنسي عنيف في عام 1472 بمدينة ديجون الفرنسية، ويكشف تفاصيل القضية التي تقدم صورة غير مألوفة عن واقع حياة النساء في العصور الوسطى.

كانت جيان، وهي امرأة قادمة من إقليم اللورين شمال شرقي فرنسا، تعيش في ديجون خلال شتاء 1472، وكانت حاملاً قبل موعد ولادتها حين وقعت عليها جريمة اعتداء جنسي، وتحرى المؤرخة سارة ماكدوغال في كتابها “العدالة لجيان” تفاصيل ما جرى، لتبين أن نظام العدالة آنذاك كان أكثر تعقيداً مما يُعتقد عادةً.

تحذير: يحتوي التقرير على تفاصيل اعتداء جنسي مؤلمة.

واعتمدت ماكدوغال في كتابها على سجلات التحقيق التي مثلت بمثابة تحقيق بوليسي في العصور الوسطى، مستعرضة سؤالين رئيسيين هما: ما الذي حدث فعلاً في تلك الليلة؟ ومن هي جيان التي دارت حولها القضية؟

من هي جيان

وُلدت جيان في إقليم اللورين وتنتمي إلى أسرة فقيرة، ثم انتقلت إلى ديجون، وفي زمن العصور الوسطى لم تكن الشخصية معروفة بدقة، إذ أفادت جيان المحققين أن عمرها نحو 32 عاماً وأنها متزوجة وتحمل لقب “زوجة جيان من ريلانج”.

وكانت ملابسها في ذلك الوقت تعكس مكانتها الاجتماعية، فقد كانت ترتدي ملابس أنيقة وغطاء رأس طويل يشير إلى كونها امرأة متزوجة ومحترمة حسب شهادات الشهود.

عصر الحكم بالإرهاب

كانت ديجون تعيش حالة من العنف والاضطراب بسبب الصراع بين شارل الجريء دوق بورغونيا والملك الفرنسي لويس الحادي عشر، ونتيجة تقدم قوات الملك باتت المدينة مهددة بغزو.

ونشر الدوق قوات مرتزقة حول المدينة لحمايتها، لكن هؤلاء المرتزقة، الذين تميزوا بالوحشية وانعدام النظام، تسببوا في فرض حكم قائم على الإرهاب على السكان.

وعن ظروف تلك الفترة، تقول ماكدوغال لبي بي سي إن المرتزقة كانوا يتجولون ليلاً بحثاً عن ضحايا للاعتداء أو الابتزاز أو الخطف، وكانت هذه التصرفات تثير خلافاً بين سلطات المدينة والدوق.

الجريمة

في مساء الثالث من يناير 1472، تعرضت جيان مع امرأة تستضيفها إلى حادثة اعتداء، إذ جاء رجلان يطلبان من المرأتين مرافقتهم، وعندما رفضتا، عاد أحدهم لإحضار مجموعة من المرتزقة.

وبحسب إفادة جيان، جرى سحبها إلى حقل مجاور حيث اعتدى عليها الرجال، وكانوا يعلمون أن والد الطفل الذي تحمله كاهن، ما جعلهم يستخفون بحملها ويرون الطفل خارج إطار الزواج.

ورغم محاولاتهم وكثير من المقاومة من جانبها وسط الثلج، حالت حملها المتقدم ومقاومتها دون إكمال الاعتداء، لكنها تعرضت للضرب، وأُلقي بها على بطنها، وكانت تخشى على سلامة جنينها.

تُظهر تفاصيل القضية تناقضاً مع التصورات الشائعة عن العصور الوسطى التي تُظهر اغتصاب النساء واعتداءاتهن وصمة عار تسبب نبذهن ونتيجة لذلك يلجأن إلى البغاء، وهو تصور استند إليه كتاب “الدعارة في العصور الوسطى” لجاك روسيو.

وقد استندت ماكدوغال في بحثها إلى إشارة وجدت في هذا الكتاب عن امرأة حامل اعتدى عليها مرتزقة في ديجون، لكنها اكتشفت من خلال دراسة الوثائق الأصلية أن القصة تختلف جذرياً.

تحقيق مفصل

قام المحقق جاك بورستيل، المكلف من حكومة المدينة، بتوثيق شهادات جيان بدقة، واجرى مقابلة معها في اليوم التالي مباشرة للحادثة، فكانت منهكة وقلقة على جنينها، لكنها قدمت تفاصيل الاعتداء وأوصاف مرتكبيه.

وضعت جيان طفلتها في اليوم التالي، ورغم شهامتها في سرد التفاصيل، لم يكن من المعتاد أن تبوح النساء بمثل هذه القصص بسبب عوامل عدة كانت تثني عن ذلك، بما فيها سجل العدالة الذي لم يكن حافلاً بالنجاحات الحقيقية عادة.

ونجح بورستيل في القبض على معظم المتهمين، وبعد استجوابهم وإنكارهم، أجريت مواجهة معهم بحضور جيان، لكنهم استمروا في الإنكار، فقررت السلطات تطبيق إجراءات استثنائية تمثلت في التعذيب بأسلوب الإيهام بالغرق حتى اعترفوا.

وبناءً على اعترافاتهم، قررت المدينة إعدام المتهمين، لكنهم كانوا تحت سلطة الدوق، الذي أصدر بياناً يدين تصرفات المرتزقة ويؤكد حرصه على أمن سكان ديجون، ما أثار التساؤل حول ما إذا كان سيطبق عقوبة الإعدام عليهم فعلاً.

التحقيق في أهلية المدعية

تلقت المدينة رسالة من سلطات الدوق توصي بالإفراج عن المرتزقة، فقوبل ذلك برفض من البلدية التي سعت لكسب مزيد من الوقت، وأجرت تحقيقاً جديداً يتناول جيان نفسها للتحقق من أهلية شكواها القانونية والأخلاقية.

وكتب بورستيل أنه يهدف إلى التأكد مما إذا كانت جيان “امرأة محترمة متزوجة” (preudefemme) أم “امرأة سيئة السمعة”، فأجريت مقابلات مع الجيران الذين وصفوها بأنها محترمة ولم يحملوها مسؤولية الاعتداء.

ومع ذلك، ظهرت معلومات جديدة تتناقض مع رواية جيان الأولى، إذ أفاد أحد الجيران أن جيان أنجبت طفلاً قبل عامين في دير قريب وكان الأب كاهناً، وأوضح أن جيان لم تلتق بزوجها منذ سنوات عدة.

ولدى مواجهتها بالأدلة الجديدة، اعترفت جيان بأنها كذبت في السابق، وأقرّت بأن زوجها هجرها للالتحاق بالحرب، وأنها التقت بكاهنًا وأصبحت عشيقته وأنجبت منه طفلين، ووجدت نفسها مضطرة للاعتراف بتلك الأمور رغم تهديدات من أنصار المرتزقة.

ختمت جيان تصريحاتها أمام بورستيل بأن “كان من الأفضل العيش من خلال إتاحة الجسد، بدلاً من اللجوء إلى سرقة الناس”.

رؤية جديدة

تعكس تلك الأقوال تعقيدات الأخلاق الجنسية في العصور الوسطى، إذ كانت العلاقات الجنسية خارج الزواج محرمة رسمياً لكنها شاعت في الممارسة العملية، والكهنة، على الرغم من نذر العزوبية، كانوا يتخذون عشيقات وينجبون أطفالاً غير شرعيين.

وكانت الدعارة، بخلاف مبادئ الأخلاق الظاهرة، متسامحاً معها على أرض الواقع، وتبين أن جيان لم تكن الزوجة الوقورة التي ادعت في البداية، إذ عاشت حياتها “في الخطيئة” من وجهة نظر المجتمع، لكن هذه الجانب لم يؤثر على متابعة القضية التي كان الهدف منها معاقبة المرتزقة.

لكن مشكلة جديدة ظهرت حين تم الافراج عن المرتزقة بعد شهرين، بحجة أنهم ينتمون إلى طبقة رجال الدين التي لا تخضع إلا لمثولهم أمام المحاكم الكنسية، رغم أن هذا الادعاء لم يكن منطقياً لأن رجال الدين ممنوعون من حمل السلاح، ولكن سلطات المدينة لم تستطع التصرف واضطرت للإفراج عنهم.

ولا توجد معلومات مؤكدة عن مصير جيان بعد ذلك، إذ تشير بعض السجلات إلى وجود نساء يحملن الاسم نفسه ومارسن الدعارة في ديجون آنذاك، غير أن الأدلة غير كافية لاستنتاج ما حدث بعين اليقين.

وبغض النظر عن النهاية، فإن المؤرخة ماكدوغال استغلت فرصة دراسة هذه القصة لتسليط الضوء على جانب من حياة امرأة في العصور الوسطى التي بقيت محفوظة ضمن وثائق قضائية تعود إلى أكثر من ستة قرون.

وتقول ماكدوغال إنها تعجب من تصميم جيان على الدفاع عن نفسها بالرغم من قسوة الظروف، إذ بدت وكأنها تعي إرادتها وقدرتها على اتخاذ القرار.

وترى ماكدوغال أن قضية جيان تكسر الكثير من التصورات التقليدية عن العصور الوسطى، مؤكدة أن المجتمع في تلك الحقبة لم يكن يلقي باللوم على الضحايا أو يشوه سمعتهم، بل كانت النساء على حق توجيه الاتهامات دون اشتراط أن يكن عذراوات أو لديهن ذاكرة دقيقة للحادثة، كما كان جيران جيان يساندونها بعد تقديم شكواها.

وبينما كانت الحياة في العصور الوسطى صعبة على النساء وكان بعضهن يعانين سوء معاملة، فإن قصة جيان تثبت أنه من الممكن الإبلاغ عن جريمة والبحث عن العدالة بمساندة المجتمع، حتى وإن كانت العدالة محدودة، وكانت تلك المسارات ممكنة أمام المرأة في تلك الفترة.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin