انتخابات إسرائيل بين غياب الفائز الواضح وتعقيدات المشهد السياسي

قبل أيام من إجراء الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، تتجاوز المنافسة على منصب رئيس الوزراء مجرد الفوز بعدد أكبر من مقاعد الكنيست، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال ألا يضمن أي من المعسكرين الرئيسيين أغلبية برلمانية، مما قد يؤدي إلى مفاوضات طويلة قد تمتد لأسابيع وربما تفشل في تشكيل حكومة جديدة.
فوز تكتل حزبي بأكبر عدد من المقاعد لا يعني تشكيل الحكومة تلقائيًا، إذ يجب أن يحصل على 61 مقعدًا على الأقل من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست، كما حدث في انتخابات 2019 و2020 حيث توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال أقل من عام بسبب عجز الفائزين عن تشكيل ائتلاف.
يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، معركة سياسية صعبة في مواجهة خصوم يسعون إلى إنهاء حكمه، ويتوقف مستقبل نتنياهو السياسي ليس فقط على عدد مقاعد حزب الليكود، بل على قدرة الأطراف المختلفة على تشكيل تحالف يحظى بثقة الكنيست.
معسكران رئيسيان
تتركز المنافسة بين معسكر يقوده نتنياهو، وآخر يضم أحزابًا وشخصيات تسعى إلى استبداله.
يعتمد نتنياهو على حزب الليكود وتحالفاته مع أحزاب اليمين، واليمين المتشدد، والأحزاب الدينية، أبرزها حزب القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، والصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، بالإضافة إلى حزبي شاس ويهدوت هتوراه الدينيين.
في المقابل، يبرز في المعسكر المعارض رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، وزعيم المعارضة يائير لابيد، وأفيغدور ليبرمان زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، ويائير غولان قائد حزب “الديمقراطيين”.
تختلف هذه الشخصيات في توجهاتها السياسية، فبينيت وليبرمان ينتميان إلى اليمين، بينما يتبنى لابيد مواقف وسطية، فيما يقود غولان تيارًا يساريًا، ويحاول آيزنكوت تقديم نفسه كبديل وسط يستقطب ناخبين من مختلف الاتجاهات السياسية.
تمتد الاختلافات بينهم إلى قضايا جوهرية مثل العلاقة بين الدين والدولة، تجنيد الحريديم في الجيش، مستقبل الصراع مع الفلسطينيين، السياسات الاقتصادية، وطبيعة العلاقة مع المؤسسة القضائية، مما قد يصعب اتفاقهم على تشكيل حكومة بديلة.
ماذا تقول استطلاعات الرأي
تظهر أحدث استطلاعات الرأي الإسرائيلية وجود تقارب بين المعسكرين الرئيسيين على الرغم من اختلاف نتائجها لكل حزب.
في أربع استطلاعات نُشرت في وسائل إعلام إسرائيلية هي القناة 12 والقناة 13 وقناة “كان” وصحيفة معاريف، يتصدر حزب ياشار في بعض السيناريوهات، متفوقًا على حزب الليكود.
يمنح متوسط نتائج الاستطلاعات أحزاب المعارضة اليهودية نحو 51 مقعدًا، مقابل عدد مشابه لمعسكر نتنياهو، فيما تحصل الأحزاب العربية على حوالي 14 مقعدًا.
تكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة مفادها أن تقدم أحد المعسكرين لا يعني بالضرورة تشكيله حكومة بمفرده، كما أن التوزيع قد يتغير خصوصًا بين الأحزاب الصغيرة التي تواجه تحدي تجاوز نسبة الحسم الانتخابية البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة.
عدم تجاوز أحد الأحزاب هذه النسبة يؤدي إلى خسارة جميع الأصوات التي حصل عليها في توزيع المقاعد، وهذا قد يغير موازين القوى بين المعسكرين حتى إذا لم تتغير توجهات الناخبين بشكل كبير.
يجدر التنويه إلى أن هذه الاستطلاعات تعطي صورة عامة عن توجهات الرأي وموازين القوى لكنها لا تضمن مطابقة النتائج النهائية لها.
لماذا يعد الرقم 61 حاسمًا في السياسة الإسرائيلية
تُشكل الأغلبية البرلمانية في الكنيست بامتلاك 61 مقعدًا على الأقل من أصل 120، وهو الحد الأدنى اللازم لنيل ثقة الكنيست، والحفاظ على استقرار الحكومة، وتمرير التشريعات والميزانية.
يمكن لحزب صغير يمتلك أربعة أو خمسة مقاعد أن يصبح طرفًا حاسمًا في المفاوضات إذا كانت مشاركته ضرورية لمنح أحد المعسكرين الأغلبية، وتتنوع قوة الحزب بحسب حاجات الأطراف الأخرى إليه.
الأحزاب العربية: هل يمكن أن تحسم النتيجة
تشير استطلاعات حديثة إلى أن القوائم العربية مجتمعة قد تنال عددًا من المقاعد يكفي نظريًا لترجيح كفة المعارضة على معسكر نتنياهو.
إلا أن هذا السيناريو يواجه تعقيدات سياسية، إذ يرفض عدد من قادة الأحزاب المعارضة لن نتنياهو تشكيل حكومة تعتمد على مشاركة الأحزاب العربية أو دعمها.
يعيد هذا النقاش إلى الواجهة موضوع موقع المواطنين العرب في النظام السياسي الإسرائيلي وحدود مشاركتهم في صنع القرار، في وقت تبرز قضايا الجريمة، والعنف، وهدم المنازل، والتمييز، والحرب في غزة كملفات رئيسية للناخب العربي.
شهدت حكومة بينيت ولابيد عام 2021 مشاركة القائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس في ائتلاف حكومي إسرائيلي للمرة الأولى، لكن تكرار التجربة يبدو أصعب في ظل الاستقطاب الحالي.
حتى في حالة عدم مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، فإن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي قد يؤثر في التوزيع العام للمقاعد وفي فرص تشكيل ائتلافات حزبية أخرى.
كيف يُختار رئيس الحكومة
بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، يجري الرئيس الإسرائيلي مشاورات مع ممثلي الأحزاب المنتخبة، ويكلف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة خلال سبعة أيام من نشر النتائج، بناءً على توصيات الكتل البرلمانية.
يكون أمام المكلف 28 يومًا لتشكيل الحكومة مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا إضافيًا، وخلال هذه الفترة تُجرى مفاوضات لتكوين الاتفاقات الائتلافية وتوزيع الحقائب الوزارية، ووضع برنامج الحكومة الجديدة.
في حال فشل المكلف الأول، يسمح القانون بتكليف عضو آخر قبل اللجوء إلى انتخابات جديدة إذا استنفدت فرص تشكيل حكومة.
هل بإمكان نتنياهو الاحتفاظ بمنصبه حتى لو خسر الأغلبية
يمتلك نتنياهو أفضلية سياسية كونه رئيس الحكومة الحالي، حيث يستمر في منصبه حتى تشكيل حكومة جديدة، وحتى في حال تعذر ذلك واستمرت المفاوضات أو تم التوجه إلى انتخابات جديدة.
مع ذلك، فإن الاستمرار في المنصب لا يعني وجود نفس القدرة على الحكم، إذ تواجه الحكومة التي تؤدي عملها في الفترة الانتقالية قيودًا سياسية وقانونية على نوعية القرارات التي يمكن اتخاذها، كما أن استمرار الفشل في تشكيل حكومة جديدة قد يزيد الضغوط عليه وعلى الأحزاب الأخرى.
في الوقت نفسه، قد يمنح فشل خصومه في التوصل لاتفاق فرصة جديدة لنتنياهو لترتيب تحالفاته مجددًا.
السيناريوهات المحتملة بعد 27 أكتوبر/تشرين الأول
أول السيناريوهات هو نجاح نتنياهو في تشكيل أغلبية برلمانية مع حلفائه، مما يسمح بتشكيل حكومة جديدة.
وفي السيناريو الثاني، تحصل أحزاب المعارضة على عدد كاف من المقاعد، لكن قد تصبح المفاوضات داخلها أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا تمسك أكثر من زعيم برئاسة الحكومة.
السيناريو الثالث يتضمن عجز كل طرف عن تشكيل أغلبية وعدم استعدادهم لتقديم تنازلات للتعاون، ما قد يدفع الأطراف إلى التفكير في تشكيل حكومة وحدة واسعة أو اتفاق لتناوب رئاسة الحكومة، رغم صعوبة هذه الخيارات في ظل الانقسامات السياسية الحالية.
السيناريو الرابع هو فشل جميع المحاولات والعودة إلى صناديق الاقتراع، وهو أمر غير جديد على إسرائيل التي شهدت خمسة انتخابات خلال أقل من أربع سنوات بين 2019 و2022 نتيجة تعذر تشكيل حكومات مستقرة.
هل ستكون الانتخابات استفتاءً على مستقبل نتنياهو
تُجرى هذه الانتخابات في ظروف استثنائية بعد ثلاث سنوات من هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته حركة حماس، والحرب التي أعقبت ذلك في غزة، وما صاحبها من توترات سياسية وأمنية داخل إسرائيل وخارجها.
تناولت الحملات الانتخابية ملفات المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وأداء الحكومة خلال الحرب، والعلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، إلى جانب القضايا الاقتصادية وقضية تجنيد الحريديم.
يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه كقائد قادر على التعامل مع التحديات الأمنية والإقليمية، بينما يحاول خصومه إقناع الناخبين بأن استمرار حكمه يعني استمرار الانقسامات والأزمات السياسية.
وتُعد هذه الانتخابات اختبارًا لقدرة المعارضة على الانتقال من رفض بقاء نتنياهو إلى اتفاق على بديل سياسي قابل للتنفيذ.
قد لا تحسم انتخابات 27 أكتوبر مستقبل نتنياهو، بل قد تنقل الجواب من صناديق الاقتراع إلى طاولات المفاوضات، وربما لا تنتهي المعركة بفوز أحد عند الفرز، بل عند تحديد من يستطيع تحويل النتائج إلى أغلبية قادرة على الحكم.





