المزيكاتي ومتعة السرد في عالم الفن والترفيه

اختارت الكاتبة الدرامية وسام سليمان عنوان «المزيكاتى» ليجسد حياة الملحن الكبير بليغ حمدى، وهو التعبير الذي كان يفضله بليغ نفسه عوضًا عن لقب «الموسيقار»، إذ أطلق عليه والده هذا الوصف منذ شهوره الأولى بسبب ميله لإصدار الألحان والإيقاعات باستخدام أدوات بسيطة كالملعقة والشوكة.
مزجت وسام في كتابها بين الحقيقة والخيال، والوثيقة بالأسطورة، متحركة عبر فترات زمنية مختلفة بأسلوب إبداعي، حيث بدأت بقضية بليغ في عام 1986 حين حكم عليه بالسجن لعام واحد بتهمة «تسهيل دعارة»، وهي تهمة أثارت جدلاً كبيرًا، علم بليغ بالحكم قبل صدوره، دون الكشف عن كيفية ذلك.
يستعرض الكتاب حياة بليغ بدءًا من ميلاده في 1932، مرورًا بزواجه من الفنانة وردة عام 1972، ويقدم السرد بمثابة لوحة موسيقية تجمع بين تنوع المقامات الموسيقية التي يستخدمها بليغ، والتي تبدو عشوائية في الظاهر لكنها محسوبة بدقة.
شهدت الكاتبة مشاهدتها لمحاكمة بليغ حمدى، وتتابعت دفاعات المحامي محمود لطفي الذي أشار إلى إنجازات بليغ مع كبار المطربين مثل أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة شريف وشادية، لكنه قوبل بتجاهل القاضي الذي اقتصر على اعتبار المتهم شخصًا واحدًا فقط هو بليغ حمدي.
ناقش الكتاب حادثة انتحار الفنانة سميرة مليان في شقة بليغ، والتي كانت محور حديث الإعلام العربي، ثم رحلة بليغ إلى باريس هاربًا من تنفيذ الحكم، حيث بدأت تظهر عليه أعراض أمراض الكبد، في الوقت الذي تراجع فيه بليغ الإنسان، بينما استمر «المزيكاتي» في الإبداع.
يقدم الكتاب أيضًا العديد من الشخصيات التي جمعتها وسام بعالم بليغ دون التوثيق فقط، بل بتعمق في أعماقها، مثل الشاعر كامل الشناوي الذي رأى في بليغ أمل مصر في الموسيقى، وسامية جمال التي أحبها بليغ وتقدم لخطبتها، غير أن الحديث عنها كان مقتصرًا على جانب إنساني عميق دون تفاصيل توثيقية.
يرصد العمل أيضًا مكانة ليلى مراد، التي رغم تلقيها طعنة من بليغ بأخذ لحن «تخونوه» قبل تسجيلها، ليؤديه عبد الحليم وصوّره المخرج صلاح أبوسيف بصوت فايزة أحمد في فيلم «الوسادة الخالية»، ظل الألم يشغل ليلى مراد لأسباب لم تفصح عنها.
تحدث الكتاب عن علاقة بليغ وردة التي استمرت ست سنوات وانتهت بالطلاق بعد أن تأكدت وردة من خيانته لها مع مطربة أخرى، ورغم نفي الصحفي الفني الكبير الذي تزوج وردة لتلك الوقائع، إلا أن الموضوع بقي محط جدل.
في عام 1970، أطلق بليغ الفنانة عفاف راضي بأغنية «ردوا السلام»، ومع دخول وردة إلى مشواره الفنية عام 1972، اضطرت عفاف إلى الانسحاب من المشهد الفني لمنطقة تأثير بليغ.
يركز العمل على التوترات الفنية والعاطفية التي واكبت حياة بليغ، فقد حاولت وردة السيطرة عليه فنيًا وإنسانياً، مما تسبب في قلق عبد الحليم حافظ من تأثيرها على ألحانه، وكان ذلك من أبرز الكوابيس التي عانى منها.
يحتل الكاتب محمود عوض مساحة مهمة في السيرة، إلى جانب عازف الكمان وقائد الفرقة الذهبية صلاح عرام، فيما وثقت وسام بعض جوانب نزوات بليغ ضمن حدود النشر، ولاحقًا توثقت حبه لابنة الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي رفض بشكل قاطع إتمام الزواج.
على الرغم من تعدد علاقات بليغ العاطفية، ظل زواجه من وردة يمثل له السعادة والألم حتى نهاية حياته.





