د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

دراسة تكشف هل يهدد الذكاء الاصطناعي وظائف النساء أكثر من غيرها

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تعمل سمر، موظفة إدارية، منذ سنوات في إدخال البيانات وإعداد التقارير والرد على استفسارات العملاء، لكنها بدأت تشعر بالقلق مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مكان عملها، متسائلةً عما إذا كانت مهامها اليومية ستظل تتطلب تدخّلها أو ستستبدلها الآلات التي تنفذها بسرعة أكبر وبتكلفة أقل، ما يجعل مستقبلها المهني غير واضح.

الذكاء الاصطناعي يتوسع بسرعة، موفراً فرصاً جديدة في العمل والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه يثِير تساؤلات حول تأثيره على النساء في سوق العمل.

مع تصاعد المخاوف من احتمال استبدال الوظائف التقليدية بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تواجه النساء تحدياً إضافياً يتمثل في نسب تمثيل ضئيلة في الوظائف التقنية الناشئة، ما يثير التساؤل حول ما إذا كان نمو صناعة الذكاء الاصطناعي سيخلق فرص عمل متساوية للجنسين أم يعزز الفجوة القائمة بينهما.

تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن 29 في المئة من الوظائف في المهن التي يهيمن عليها النساء معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بـ16 في المئة في المهن التي يهيمن عليها الرجال، أما بالنسبة للوظائف الأكثر عرضة للأتمتة فتبلغ النسبة 16 في المئة في المهن النسائية مقابل 3 في المئة في المهن التي يهيمن عليها الرجال.

وفي مؤشر على الفجوة في الفرص، أظهرت بيانات لينكدإن أن النساء شكّلن 26 في المئة فقط من المعينين في وظائف الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة عام 2025، مقارنة بنسبة 50 في المئة في الوظائف الأخرى، وشغلن 13 في المئة فقط من مناصب الإدارة التنفيذية العليا في شركات الذكاء الاصطناعي عبر 27 دولة.

نشرت صحيفة الغارديان مقالاً تحت عنوان “قطاع الذكاء الاصطناعي يزدهر والنساء تتهمش”، تناول الفجوة بين التوسع السريع في هذا القطاع ومشاركة النساء فيه من حيث فرص العمل والمناصب القيادية.

وحذّر المقال من تحديين تواجههما النساء معاً: تمركزهن في وظائف إدارية وخدمية معرضة أكثر للأتمتة، مقابل ضعف تمثيلهن في الوظائف التقنية الجديدة التي يخلقها القطاع.

تدعم تقارير منظمة العمل الدولية هذا القلق.

في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أوضحت آيا جعفر، الخبيرة في اقتصاد العمل بمنظمة العمل الدولية، أن تعرُّض النساء لتأثير الذكاء الاصطناعي مرتبط بتوزيعهن على المهن، حيث تحتل نسبة كبيرة منهن وظائف إدارية ومكتبية ومساندة للأعمال، تتضمن مهاماً روتينية يمكن أتمتتها بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل أكبر.

وأضافت جعفر أن النساء لا يزلن أقل تمثيلاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات، مما يقلل من فرص استفادتهن من الوظائف الناشئة المرتبطة بالتحول الرقمي.

وحذرت من أن اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات متحيزة أو ناقصة قد يزيد أوجه عدم المساواة القائمة بين الجنسين في التوظيف والأجور والتقدم المهني.

وفي تقديرات لمنظمة العمل الدولية، يُعرض 5.3 في المئة من الوظائف التي تشغلها النساء في المنطقة العربية إلى خطر مرتفع من الأتمتة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بـ1.6 في المئة من وظائف الرجال.

لكن المنظمة شددت على أن هذه التقديرات لا تعني بالضرورة فقدان تلك الوظائف، إذ يعتمد التأثير الفعلي على كيفية إدماج التكنولوجيا في أماكن العمل، ومهارات العاملين، والظروف الاقتصادية والتنظيمية.

وأشارت المنظمة إلى أن الوظائف الروتينية والمتكررة، تشمل الأعمال المكتبية العامة وإدخال البيانات والمبيعات وخدمة العملاء، قد تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أن قطاعات مثل الخدمات العامة والصناعات التحويلية الأساسية وتجارة التجزئة قد تتعرض لتراجع في بعض الوظائف وفق سيناريوهات إدماج التكنولوجيا في المنطقة العربية.

في مايو 2026، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة العمل الدولية تقريراً مشتركاً يستشرف مستقبل الذكاء الاصطناعي وسوق العمل في المنطقة حتى عام 2035، وذكر التقرير أن نحو ربع الوظائف في المنطقة قد يتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال احتمال تراجع بعض الوظائف أو تحسين أداء العاملين أو خلق وظائف جديدة، وحذر من أن الأتمتة قد تقلص فرص العمل في الوظائف المكتبية والروتينية.

ومقابل ذلك، أشار التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز قدرات العاملين بدلاً من استبدالهم بالكامل، من خلال مساعدتهم على إنجاز المهام بكفاءة أعلى وتولي مسؤوليات أكثر تعقيداً واكتساب مهارات جديدة.

وتقدر منظمة العمل الدولية أن 22.7 في المئة من الوظائف التي تشغلها النساء في المنطقة العربية يمكن أن تستفيد من هذه التحسينات.

غير أن آيا جعفر حذرت من أن زيادة الإنتاجية لا تترجم تلقائياً إلى وظائف أفضل أو أجور أعلى، موضحة أن ذلك يعتمد على طريقة إدخال التكنولوجيا إلى أماكن العمل ومدى تقاسم المكاسب مع العاملين.

ودعت المنظمة إلى إزالة العوائق التي تحدّ من فرص النساء، ومنها التمييز وعدم المساواة في توزيع مسؤوليات الرعاية والعمل غير مدفوع الأجر، وفتح مسارات لهن نحو الوظائف المتنامية والأكثر جودة، بما يشمل الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

من جانبه، يرى المختص في الذكاء الاصطناعي إبراهيم الجراح أن النساء قد يكنّ أكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، ليس بسبب نقص في الكفاءة أو قدرة التكيف مع التكنولوجيا، بل نتيجة طبيعة الوظائف التي تشغلها نساء كثيرات، مثل الوظائف الإدارية والمكتبية وخدمة العملاء ومعالجة البيانات التي تعتمد على مهام متكررة يمكن تنفيذها بالتقنيات الجديدة.

وأضاف الجراح في حديثه لبي بي سي، أن تأثير الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على اختفاء بعض الوظائف، بل سيمتد إلى تغيير طبيعة العمل في وظائف أخرى وافتتاح فرص مهنية جديدة.

وأوضح أن الحاجة إلى بعض الوظائف التي تعتمد على مهام متكررة قد تتراجع، بينما تتحول مهام العاملين في وظائف أخرى من إدخال البيانات وإعداد التقارير إلى تحليل النتائج والتحقق من صحتها والمساهمة في اتخاذ القرارات، مؤكداً أننا نشهد “إعادة توزيع المهام بين الإنسان والآلة” وليس مجرد أتمتة الوظائف.

ذكرت دراسة اقتصادية شاركت في إعدادها الخبيرة ستيفانيا ألبانيزي تأثير الذكاء الاصطناعي على توظيف النساء في 16 دولة أوروبية بين 2011 و2019، وخلصت الدراسة المنشورة في دورية الجمعية الاقتصادية الأمريكية عام 2025 إلى ارتفاع متوسط حصة النساء بين العاملين في المهن الأكثر تعرضاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الدول التي تتمتع فيها النساء بمستويات تعليم ومشاركة اقتصادية أعلى.

ومن وجهة نظر الجراح، لا يقتصر استفادة النساء من فرص الذكاء الاصطناعي على الوظائف التقنية المتخصصة، بل تشمل قطاعات مثل التعليم والصحة والتسويق والخدمات المالية، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتيح العمل عن بُعد وريادة الأعمال وفرصاً في تحليل البيانات وتطوير التطبيقات والأمن السيبراني وحوكمة الأنظمة الذكية.

وأكد أن المهارة الأهم ليست تعلم البرمجة بالضرورة، بل القدرة على استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، وطرح الأسئلة الصحيحة، وتقييم الإجابات، واتخاذ القرارات المناسبة في مجال العمل.

وحذّر الجراح من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوسع الفجوة بين النساء والرجال في فرص العمل والدخل، إذا تركزت النساء في وظائف معرضة أكثر للأتمتة مع محدودية الفرص في التدريب التقني والوظائف المتخصصة والمناصب القيادية.

وأشار إلى خطورة انتقال التحيزات الحالية في سوق العمل إلى الأنظمة الرقمية، خصوصاً عند اعتماد أدوات التوظيف وتقييم الأداء على بيانات تاريخية تعكس تفاوتات بين الجنسين.

وذكر: “الخطر ليس أن يكون الذكاء الاصطناعي متحيزاً بطبيعته، بل أن نسمح له بالتعلم من أوجه عدم المساواة الموجودة في مجتمعاتنا وإعادة إنتاجها على نطاق أوسع في الوظائف الجديدة”.

في ظل هذه التحولات، يرتبط مستقبل النساء في سوق العمل بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامهن، بالإضافة إلى قدرة المؤسسات والحكومات على تأسيس بيئة تساعدهن على مواكبة التغيير.

وقد تفتح التقنيات الجديدة آفاقاً لفرص مهنية مختلفة، لكنها قد تُفسح المجال أيضاً لاتساع الفجوة بين من يمتلكن المهارات اللازمة للاستفادة منها ومن لا تتاح لهن فرص التدريب والتأهيل.

أما في المنطقة العربية، فيبقى التحدي ضمان ألا تتحول “ثورة الذكاء الاصطناعي” إلى عامل يحد من فرص النساء الاقتصادية، بل إلى أداة توسّع مشاركتهن في سوق العمل.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin