لماذا فشلت مليارات الأسلحة السعودية في حماية المملكة من هجمات الحوثيين

في العاشر من أكتوبر 2026، قامت جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن بقصف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ما أسفر عن سقوط 13 قتيلاً وأكثر من 300 جريح في الهجوم الأكثر دموية على السعودية خلال أكثر من عقد.
وبعد ثلاثة أيام، استهدف الهجوم مقر شركة أرامكو في الظهران، مما دفع الرياض إلى فتح تحقيق في أسباب فشل اعتراض الهجوم وغياب الإنذار المبكر.
وجاءت هذه الضربات الحادة رغم أن السعودية أنفقت في عام 2025 مبلغ 83.2 مليار دولار على الإنفاق العسكري، وهو رقم يُعتبر ثامن أكبر ميزانية عسكرية على مستوى العالم. وهذا يطرح سؤالاً هاماً حول سبب عدم قدرتها على تحويل هذا الإنفاق الضخم إلى حماية فعالة، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بعدم كفاءة استخدام السلاح أو لأسباب أخرى.
أرقام مثيرة للاهتمام
وفق معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، ارتفع الإنفاق العسكري السعودي في 2025 بنسبة 1.4% إلى 83.2 مليار دولار، وهو أعلى بنحو 12% مقارنة بمستوى عام 2016. وكانت السعودية في الفترة بين 2021 و2025 ثالث أكبر مستورد للأسلحة دولياً بحصة 6.8% من إجمالي واردات السلاح العالمية، وبلغت حصتها من صادرات السلاح الأمريكية 12%.
وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة موردي السلاح للسعودية بنسبة 77%، تليها إسبانيا 9.5%، وفرنسا 4.6%. وتعزى الحصة الإسبانية بشكل رئيسي إلى شراء السعودية خمسة كورفيتات من فئة Avante 2200، تم تسليمها بين 2022 و2024.
والكورفيت هو سفينة حربية صغيرة وسريعة تُستخدم عادةً للعمليات الساحلية وحماية السواحل والدفاع ضد الغواصات والسفن السريعة.
يُلاحظ أن واردات السلاح للمملكة تراجعت بنسبة 31% في الفترة الأخيرة مقارنة بالفترة بين 2016 و2020، ويُفسر معهد سيبري ذلك بدورة الشراء التي تعني وجود طلبات قديمة لم تُدمج في الترسانة العسكرية بعد، مع توقع بقاء السعودية ضمن أكبر الدول المستوردة للسلاح.
وأشار الباحث بيتر ويزمان في معهد سيبري إلى أن التراجع يعود إلى وجود طلبيات ضخمة لم تُكمل بعد عمليات دمجها في الجيش السعودي.
ومن الجدير بالذكر أن حزمة الأسلحة التي أُعلن عنها في 2017 مع الولايات المتحدة والتي روج لها بمبلغ 110 مليارات دولار، كانت في الغالب خطابات نوايا، وفق تحليل قدمه الباحث بروس ريدل من معهد بروكينغز.
وأعلن البنتاغون فيما بعد أن قيمة العروض والقبول الموقعة وصلت إلى نحو 14.5 مليار دولار، وأن الحزمة تضمنت صفقات سبق أن وافقت عليها إدارة أوباما.
كما أن توجه السعودية نحو توطين الصناعات العسكرية ساهم في زيادة الميزانية، إذ بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89% في نهاية 2024 مقارنة بـ 4% في 2018، مع هدف تجاوز 50% بحلول 2030 حسب الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI).
وكان معهد سيبري قد وصف الجهود المبذولة لبناء صناعة محلية في 2018 بأنها حققت نتائج محدودة حين كانت نسبة التوطين 2%، ولا يعني توطين التجميع امتلاك السعودية للشيفرات المصدرية أو خطوط إنتاج الصواريخ الاعتراضية، وهو ما تحتاجه المملكة بشدة اليوم.
حرب إيران كاختبار ضغط
بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وقد تعرضت السعودية لضربة على مصفاة رأس تنورة في 2 مارس من ذات العام. ووفق تحليل مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) للأسبوع الأول من المعارك، تم اعتراض نحو 70% من صواريخ ومسيرات أُعلنت من قبل الرياض، التي كانت تتجه أساساً إلى المنطقة الشرقية ومنشآت نفطية، مما يشير إلى تحول بؤرة الاستهداف نحو الأسس الاقتصادية للبلاد.
من جهة أخرى، قُدّر أن الأمريكيين أطلقوا نحو 1500 صاروخ باتريوت وبقي نحو 800 من مخزون يقدر بـ2300، وأن تعويض هذا المخزون قد يستغرق حوالي 30 شهراً، وفق تحليل نشره موقع “ذا ناشيونال”.
وبحسب نواف عبيد من كينغز كوليدج، تمتلك السعودية أكثر من 1800 صاروخ باتريوت واستخدمت عدداً كبيراً منها خلال المعارك، كما أشار مركز CSIS إلى عدم وصول ذخائر منظومة THAAD جديدة منذ أغسطس 2023 استناداً إلى تقارير صحفية وبحثية.
ما الذي ينقص الجيش السعودي: السلاح أم الكفاءة؟
بعد فتح التحقيق في أسباب فشل اعتراض الهجوم على مطار الملك خالد، عاد السؤال القديم حول كيفية إنفاق السعودية 83 مليار دولار بينما تمت ضرب عاصمتها. لكن الأدلة تشير إلى أن التقييم ليس بسيطاً، ففي مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية عام 2026 كان معدل الاعتراض عالياً حسب تقارير دولتين خليجيتين مستندة إلى مركز CSIS.
يُشير نواف عبيد إلى تفوق التحالف السعودي عسكرياً على الحوثيين، ولكن قدرات الحوثيين في تنفيذ ضربات متفرقة تحظى بتغطية إعلامية واسعة. ويرى معهد SIPRI أن التدخل في اليمن لم يؤدِ إلى نصر سريع أو تسوية، وهناك ثلاث مهام مختلفة تُقاس بمعايير مختلفة: حماية الداخل من أسلحة رخيصة ومنخفضة الارتفاع، والعمليات الهجومية خارج الحدود، والردع السياسي، مما يصعب من الإجابة الحاسمة.
قوة صُممت لحماية الحكم
تشير الأدبيات إلى أن الهيكل العسكري السعودي لم يُبنى لتعظيم الكفاءة القتالية فقط، بل شُكل أيضاً لأهداف سياسية داخلية. تأسس الحرس الوطني عام 1955 بعد محاولة انقلاب عسكرية، بهدف حماية الأسرة الحاكمة من الجيش. وتؤكد دراسات عن حرب اليمن أن فصل الحرس الوطني عن وزارة الدفاع أدى إلى ضعف التواصل وسوء توزيع الموارد.
وكتبت ناتاشا لندستيدت في مجلة فوربس أن هذا التفتيت يعزز التنافس بين الوحدات ويعيق تبادل المعلومات الاستخباراتية والخطط العسكرية.
أما أنتوني كورديسمان من معهد CSIS فيرى أن السعودية قوة اعتمدت لفترة طويلة على الدعم الأجنبي والمقاولين، مع ضعف في الجاهزية وسوء إدارة المشتريات. كما يشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى اعتماد الجيش السعودي لعقود على المبيعات الأمريكية والتدريب والصيانة، وأن تأثير الصفقات الجديدة يعتمد على مدى الاستثمار في الصيانة والتدريب وترتيبات القيادة.
ويبقى الأمر أكثر غموضاً بسبب غياب الشفافية، حيث يوضح بيتر ويزمان من معهد SIPRI أنه من الصعب تمييز ما إذا كان الإنفاق العسكري السعودي مدفوعاً بدوافع دفاعية أو هجومية، أو لإظهار الهيبة، أو نتيجة صراعات داخلية، كما أن الوثائق السعودية تنقصها البيانات التفصيلية عن القوات شبه العسكرية التابعة لوزارة الداخلية، ولذلك تختلف مقاييس الكفاءة بين الاستنتاج والقياس المباشر.
خطر قديم واستراتيجية بلا شريك
تشير التحليلات الاستراتيجية إلى وجود تفاوت واضح بين التهديدات التي صُممت الدفاعات السعودية لمواجهتها والتهديدات الحالية. فقد حلل مايكل نايتس من معهد واشنطن فشل اعتراض هجوم بقيق وخريص في 2019، وخلص إلى أن الدفاعات كانت مثقلة، سيئة التنسيق، وغير مُشغلة وفق زمن الحرب، مع ضعف في تغطية الرادارات على الحدود الشمالية.
في المقابل، تطور أفراد جبهة اليمن في مهارات توجيه الرادارات بمساعدة مراقبين بصريين. وتبحث الرياض حالياً في أسباب فشل الاعتراض وغياب الإنذار المبكر في هجوم 2026 الذي قطعت صواريخه مسافة تزيد عن ألف كيلومتر، مع التأكيد على عدم وجود تأكيدات عن تشابه أسباب الهجومين.
أما في اليمن فتتعلق المشكلة بالاستراتيجية قبل التكتيك، إذ يرى نايتس أن الحملة الجوية في 2015 افتقرت إلى ارتباط واضح بالاستراتيجية العامة للحرب، وأن دفاعات مثل بطاريات باتريوت غير قادرة على اعتراض راجمات الصواريخ قصيرة المدى التي تهدد الحدود في نجران.
وفي عام 2026 لاحظت أبريل لونغلي من معهد واشنطن أن الرياض لم تتمكن من توحيد القوى اليمنية تحت قيادتها بعد انسحاب القوات الإماراتية، التي تعتبرها الشريك المحلي الأكثر كفاءة، مما يفسر جزئياً ما يبدو ضعف كفاءة عسكرية بأنه في الواقع ضعف تحالفي وسياسي لا يمكن حله بإضافة مزيد من السلاح.
الحسم العسكري الشامل أمر مستبعد
تقدر أبريل لونغلي من معهد واشنطن أن أي حسم عسكري شامل لأي طرف في اليمن أمر مستبعد جداً، وأن حل النزاع سيحتاج إلى تسوية سياسية. وتعتقد أن الخلاف بين السعودية والإمارات يعيق توحيد القوى اليمنية، وأن الهجمات الجوية الأمريكية – إن جرت – لن تحل المشكلة دون وجود قوات يمنية فعالة وخطة سياسية موحدة.
ويرى أحمد ناجي من مجموعة الأزمات الدولية أن ضرب البنية التحتية في السعودية قد يزيد من عزيمة الرياض على مواصلة الحملة العسكرية.
وقد وسعت السعودية دائرة الدعم العسكري بمشاركة دول مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وباكستان وتركيا في الدفاع عن أراضيها، إلى جانب اتفاقات التعاون الدفاعي الموقعة في أغسطس 2026 مع باكستان وتركيا.
خيارات استراتيجية لبناء “ردع مستدام”
استناداً إلى تحليلات معهد RUSI البريطاني ومركز CSIS، ومقارنة بأهداف رؤية 2030 السعودية، تفرض الحروب الحديثة على الرياض تبني خيارات عدة لتفادي الفجوة بين الإنفاق والنتائج، منها:
بناء “كثافة دفاعية” بمزيج متفاوت الكلفة:
يثبت معهد RUSI أن الدرس المستخلص من الصراعات الحالية في أوكرانيا والشرق الأوسط هو أن المشكلة لا تكمن فقط في نوعية أنظمة الدفاع، بل في قلة أعدادها، فإطلاق صواريخ مُكلفة جداً لاعتراض طائرات مسيرة منخفضة الكلفة هو معادلة غير مستدامة.
ويحذر المعهد من أن أنظمة الليزر التكتيكي أظهرت نتائج غير مرضية في البيئة الصحراوية بالعراق بسبب صعوبات الصيانة والموثوقية، وأن الموجات الكهرومغناطيسية عالية القوة (HPM) ما تزال محدودة الفعالية على المسيّرات الصغيرة، وأن انخفاض الكلفة لكل طلقة يعد هدفاً مستقبلياً لم يتحقق بعد.
لذا تُعطى الأولوية للمدافع الموجهة بالذكاء الاصطناعي، والمعترضات منخفضة التكلفة، والرادارات التكتيكية المتنقلة، مع تطوير تكنولوجيا الطاقة الموجهة كطبقة تكميلية لا بديل عنها.
الانتقال من التجميع إلى امتلاك المعرفة:
تسعى رؤية 2030 إلى توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030، ويتطلب ذلك تجاوز مرحلة تجميع المعدات إلى امتلاك الشيفرات المصدرية وخوارزميات أنظمة الرادار والقيادة والسيطرة لضمان التطوير والتحديث المستقل دون انتظار موافقات الشركات الموردة أو قيود نقل التقنية، وفق دراسة لمعهد راند.
قيادة موحدة للتهديدات المتنوعة:
يشير مركز CSIS إلى أن دفاعات الشركاء الخليجيين محدود التغطية، ولا توجد خطط واضحة حتى الآن لمنظومة دفاع جوي وصاروخي إقليمية متكاملة، كما أن التوحيد المحلي لمراكز إدارة المعارك والدفاع الجوي تحت مظلة بيانات واحدة مرتبطة بالرصد المبكر والأقمار الصناعية هو السبيل الأمثل لتقصير زمن الاستجابة وتقليل الإجراءات الإدارية عند اعتراض التهديدات السريعة والمنخفضة الارتفاع.
وتُظهر تطورات عام 2026 أن السؤال لم يعد لماذا لا تحمي الميزانية العسكرية الضخمة السعودية، بل كم يمكن لهذه الميزانية أن تقدم حماية لفترة كافية، إذ أن الميزانية الكبيرة ضرورية لكنها لا تكفي دون وجود مخزون أعمق، ومستشعرات أوسع، وطبقات دفاع أرخص، وتسوية سياسية شاملة.





