الناتو يستعد لاحتمال الحرب مع روسيا ويواجه 5 تحديات رئيسية في خططه الدفاعية
تُعنى المباحثات الجارية بتحديد أهداف القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى عام 2029، وتحديد ما يتوجب على كل من الدول الأعضاء الـ32 من قوات ومعدات عسكرية توفيرها.
وتكتسب هذه المهلة أهمية خاصة مع تحذيرات مسؤولين أوروبيين من احتمال استعداد روسيا لشن هجوم على إحدى دول الحلف بحلول عام 2029.
في الوقت ذاته، تدرس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية تقليص كبير في حجم القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، ما قد يؤدي إلى نقص في القوات والقدرات العسكرية الحيوية، بما في ذلك طائرات التزوُّد بالوقود جواً، والصواريخ بعيدة المدى، ووسائل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
تشكل هذه المفاوضات اختباراً لاستعداد كل دولة عضو لزيادة إنفاقها الدفاعي، ولحجم المسؤوليات العسكرية التي يمكن لأوروبا تحملها دون الاعتماد على الولايات المتحدة، إلى جانب مناقشة مدى ضرورة توسيع استخدام التقنيات الحديثة كروبوتات والذكاء الاصطناعي في الخطط العسكرية للناتو.
ويعتزم الحلف خلال الأيام المقبلة بدء مناقشة الإطار العام للأهداف الجديدة، المعروف بـ”التوجيه السياسي”، وهو المرحلة الأولى ضمن عملية تخطيط دفاعي للناتو تتألف من خمس مراحل.
وأجرت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية مقابلات مع 15 مسؤولاً ودبلوماسياً حالياً وسابقاً في الناتو لاستطلاع آرائهم حول خمس قضايا رئيسية وُصفت بأنها قد تحدد مسار المفاوضات القادمة، وهي:
1- الطموح العسكري للحلف
تعتبر تحديد العدد الدقيق للقوات والقدرات العسكرية التي يرغب الحلفاء في توفيرها القضية الأبرز خلال المفاوضات، ويُشار إلى هذا المعيار داخل الناتو بـ”مستوى الطموح”.
تاريخياً، اتفقت الدول الأعضاء على ضرورة الاحتفاظ بـ18 لواء احتياطياً يضم كل منها نحو 5 آلاف جندي إلى جانب القوات اللازمة للعمليات العسكرية الكبرى.
كان الهدف من هذه القوات الإضافية هو تنفيذ عمليات أصغر لإدارة الأزمات خارج أراضي الدول الأعضاء، كما حدث في أفغانستان وكوسوفو.
إلا أن الضغوط الأمريكية الساعية لنقل مزيد من المسؤوليات الأمنية إلى الحلفاء الأوروبيين، ضمن توجه يسمى “الناتو 3.0″، قد تؤدي إلى تقليص أو إلغاء المتطلبات المتعلقة بالعمليات العسكرية الصغيرة.
ويتوقع أن تتناول المناقشات أيضاً تسريع عملية التخطيط الدفاعي لمواكبة الابتكارات التكنولوجية المتسارعة في ساحات القتال، من تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات الأرضية.
كما يُرجح أن تناقش الدول الأعضاء توفير الدعم العسكري التقليدي للدول المالكة للأسلحة النووية كبرى بريطانيا والولايات المتحدة، بما يشمل القوات البرية والطائرات والقدرات غير النووية الأخرى.
ويُلقي التقييم المرتقب الذي تجريه وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بشأن حجم القوات الأمريكية في أوروبا بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد سحب واشنطن عدداً من الأصول العسكرية التي كان يمكن للناتو استخدامها، مثل قاذفات القنابل الاستراتيجية والمقاتلات والطائرات المسيّرة والغواصات والسفن الحربية.
ومن المتوقع صدور نتائج المراجعة الأمريكية في ديسمبر المقبل، وسط مخاوف من تأخيرها سير النقاشات.
وتتركز المخاوف على احتمال سحب الولايات المتحدة قدرات عسكرية مهمة للدول الأوروبية، مثل طائرات النقل العسكري الثقيلة، ما قد يضغط على الحلفاء للبحث سريعاً عن تعويض تلك القدرات.
وسيفتح ذلك المجال لنقاشات حادة حول كيفية توزيع الأعباء الدفاعية بعدالة، في ظل تزايد الضغوط على الميزانيات الوطنية الأوروبية.
وتُطرح إحدى الحلول الممكنة بالانتقال من تحديد أنواع أسلحة معينة يُطلب توفيرها إلى إسناد أهداف عسكرية محددة لكل دولة، ما يمنحها مرونة أكبر في استخدام الموارد المتاحة، وخصوصاً للدول التي لا تملك القدرة على اقتناء أسلحة أميركية متطورة مثل صواريخ “توماهوك”.
وهذا التوجه يركز على النتائج المطلوبة عسكرياً بدلاً من الاعتماد على منظومات تسليح محددة لإتمام المهمات.
2- الخلافات الإقليمية
من المتوقع أن يؤدي تركيز الحلف المتزايد على التهديد الروسي إلى إثارة خلافات مع بعض الدول الأعضاء التي تشعر بقلق من تهديدات أمنية أخرى.
نظرياً، يتبنى الناتو “النهج الأمني الشامل بزاوية 360 درجة” للتعامل مع التهديدات من جميع الاتجاهات، لكنه في الواقع ركز بشكل متزايد على الشرق منذ بدء الهجوم الروسي الواسع على أوكرانيا في 2022.
كما اتجه اهتمام الناتو نحو الشمال عبر إنشاء مهمة عسكرية في منطقة القطب الشمالي استجابة لضغوط الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المتعلقة بغرينلاند.
في المقابل، تطالب دول أخرى بإيلاء المزيد من الاهتمام للجناح الجنوبي والجنوبي الشرقي للحلف، مع التركيز على قضايا مثل وجود مرتزقة روس في ليبيا، واستخدام تدفقات الهجرة كأداة ضغط، وتزايد نشاط الغواصات والهجمات بالطائرات المسيّرة على السفن في البحر الأسود.
3- المسيّرات أم الدبابات؟
تُشير الحرب التي تعتمد على الطائرات المسيّرة في الجبهات الأوكرانية إلى نقاش واسع داخل الناتو حول التوازن بين الاستثمار في الأنظمة غير المأهولة وتعزيز المعدات التقليدية مثل الدبابات والمدفعية.
تعمل أغلب الدول الأعضاء على تطوير خطط لزيادة استخدام المنظومات غير المأهولة، ففي بريطانيا جرت خطة خلال العام الحالي لتشكيل “أسطول هجين” يعتمد بشكل متزايد على القطع البحرية ذاتية التشغيل، ومنها المركبات غير المأهولة تحت الماء من طراز “تايب 93”.
وفي فرنسا، رصدت ميزانية بقيمة نحو 8.4 مليار يورو للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة القادرة على التحليق فوق مناطق قبل تنفيذ هجومها.
أما ألمانيا فتستعد لإنشاء أول فوج متخصص في الطائرات المسيّرة خلال العام المقبل.
4- الروبوتات إلى الواجهة
يتصل توسع استخدام الأنظمة غير المأهولة ليس فقط بالتطور التكنولوجي، بل أيضاً بصعوبات تواجهها الدول الأوروبية في تجنيد عدد كافٍ من الجنود.
وقال كاميل غراند، رئيس مجموعة الضغط الأوروبية للصناعات الجوية والأمنية والدفاعية، إن عامل تقدم الأعمار في المجتمعات الأوروبية ونقص القوى البشرية يدفع الجميع تجاه زيادة استخدام الأنظمة غير المأهولة.
وبالتالي، قد تشكل الروبوتات والطائرات المسيّرة حلولاً يعتمد عليها الجيوش لتعويض نقص الأفراد العسكريين.
لكن الدول الأعضاء تواجه تحدياً آخر يتمثل في مواكبة التطورات التكنولوجية الروسية دون استنزاف ميزانياتها الدفاعية.
وأشار الأميرال الفرنسي فاندييه إلى أن روسيا تنتج سنوياً نحو 9 ملايين طائرة مسيّرة، مما يستوجب من الناتو بذل “جهد جذري إلى حد كبير” لمواكبة هذا المستوى الكبير من الإنتاج.
اقترح فاندييه نموذجاً يشبه الاشتراكات الدورية لتحديث المعدات العسكرية، حيث يتم تحديث مكونات المنظومات باستمرار بدلاً من الاعتماد على معدات ثابتة تصبح قديمة بسرعة، ما يهدف لمنع تقادم منظومات الأسلحة مع تسارع التطورات التكنولوجية في ساحات القتال.
5- الاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا
يتفق أغلب أعضاء الناتو على أن أوكرانيا تعزز أمن الحلف عبر امتلاكها جيشاً كبيراً وخبرة قتالية واسعة اكتسبها خلال الحرب، إلى جانب التطور التكنولوجي السريع في مجالات عدة.
تشمل تلك المجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، إضافة إلى نظام “دلتا” المتقدم لإدارة العمليات على ساحة المعركة، الذي يُستخدم لجمع وتنسيق المعلومات العسكرية وتوفير صورة شاملة عن الوضع الميداني لدعم اتخاذ القرارات.
وقد دفعت هذه الإنجازات بعض الدول الأعضاء لمطالبة بتعزيز التعاون العسكري والصناعي مع أوكرانيا للاستفادة من ابتكاراتها وتجربتها القتالية.
ومع ذلك، تدعو دول أخرى إلى الحذر عند استنتاج الدروس من حرب أوكرانيا، لكون طبيعة القتال بها تختلف عن عقيدة الناتو التي تركز على عمليات المناورة السريعة، التفوق الجوي، والضربات الدقيقة من مسافات بعيدة، بدلاً من خوض حرب استنزاف طويلة كما في أوكرانيا.
وفي هذا السياق، قال القائد العسكري الأعلى للناتو، الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكويتش، أمام البرلمان الأوروبي في وقت سابق هذا الشهر، إنه يجب استخلاص الدروس العظيمة من الصراع والاستفادة منها، مع التأكيد على أن الحلف لا يرغب في خوض حرب مماثلة.





