العراق والاستقلال المنقوص بين التحديات الوطنية والدولية

غادرت القوات الأمريكية الأراضي العراقية، وهو ما يمنح الشعب العراقي حق الاحتفال، إلا أن هذه الخطوة تعكس استقلالاً ناقصاً في اتخاذ القرار ورفض التبعية، طالما أن موارد العراق لا تزال تحت سيطرة وزير الخزانة الأمريكي، الذي يخصص الأموال لرئيس الوزراء العراقي بالحد الذي يسمح ببقاء العراقيين فقط دون تحقيق حياة كريمة لهم.
القليل من الناس يدركون أن الولايات المتحدة تتحكم بأموال النفط العراقي، وتقوم وزارة الخزانة الأمريكية بتوجيه هذه الأموال للمشروعات التي تمثل أولويات واشنطن وتل أبيب، لا بغداد، وهو ما يفسر كيف يمكن للعراق أن يكون غنيًا بثرواته البترولية والتعدينية والزراعية، بينما يغرق معظم المواطنين في الفقر والفوضى.
المرحلة التالية التي تفرضها أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم داخل العراق تتعلق بحصر السلاح في يد الدولة والجيش، وهو مطلب متكرر ليس فقط في العراق بل أيضاً في لبنان، وفي مواقف كثيرة يظهر هذا المطلب في غياب فعلي لدولة وجيش فعالين. إذ إذا نظرنا إلى الوراء نجد أن الميليشيات التي يُقال اليوم إنها تعمل خارج إطار الدولة نشأت نتيجة هزيمة الجيش العراقي أمام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، مما دفع القوى الوطنية للنهوض والدفاع عن الوطن في معارك ضارية ضد داعش، التي نما نفوذها وسط وجود الجيش الأمريكي في العراق.
اليوم يُطالب بسحب السلاح من الفصائل المقاومة، مع بقاء الوضع العسكري للجيش العراقي على ما هو عليه، أي مطلب بأن يكون الجيش بمواصفات إسرائيلية كما هو الأمر في الجيشين السوري واللبناني، جيش بدون قوات جوية أو دفاع جوي أو وحدات صاروخية أو مدرعات أو بحرية، بل يشبه في أقصى حالاته قوات أبو محمد الجولاني، بعربات نصف نقل تحمل رشاشات وبنادق، وهو الوضع الذي سمح به الإسرائيليون لسوريا، جيش قادر فقط على الاشتباك في نزاعات داخلية وليس على صد هجوم خارجي. وفي لبنان يطالبون أيضاً بحصر السلاح بيد الجيش الذي يمتلك بعض الطائرات المخصصة لرش المبيدات.
خروج الجيش الأمريكي من العراق يعد خطوة إيجابية رغم أنها لم تتحقق إلا بهدف إبعاد الجنود الأمريكيين عن قبضة إيران والفصائل العراقية الموالية لطهران تمهيداً لجولة جديدة من الصراع. أما الخطوة التالية فتكمن في إعادة ثروة الشعب العراقي إلى أصاحبها ورفع التحكم الأمريكي عن موظفي وزارة الخزانة، إضافة إلى تأسيس قوات جوية ودفاع جوي حقيقيين خارج سيطرة واشنطن، حتى لا تستباح الأجواء العراقية كما هو الحال اليوم، ولا تستطيع إسرائيل إقامة قواعد عسكرية في صحراء العراق دون علم الحكومة العراقية، كما حدث في العدوان الإسرائيلي على إيران. مسيرة الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية بدأت بحركة يجب أن تتبعها خطوات أخرى قبل الانخراط في الحديث عن حصر السلاح بيد من لا يملكون القدرة أو النفوذ.





