د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

تأجيل السعودية مواسمها وفعالياتها الدولية وتأثيره المتوقع على رؤية 2030 وفق آراء مختصين

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

في ظل التصعيد العسكري بين السعودية وحركة أنصار الله الحوثية في اليمن، اضطرت المملكة إلى تأجيل أو إلغاء مجموعة من الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية التي كانت جزءاً أساسياً من جدول أعمالها الدولي في الأشهر الأخيرة من عام 2026.

من قمم الاستثمار إلى المهرجانات الثقافية

شملت قائمة الفعاليات المتأثرة قمة الخليج الأوروبية في الرياض، ومبادرة مستقبل الاستثمار المعروفة بـ”دافوس الصحراء”، ومنتدى مسك العالمي، ومعرض إنترسك المتخصص في الأمن والسلامة، إلى جانب فعاليات رياضية وثقافية بارزة مثل بطولة السعودية الدولية للغولف، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان “ساوند ستورم” الموسيقي، وحفل “جوي أواردز” لصنّاع الترفيه.

ورغم تقديم الجهات المنظمة تبريرات مختلفة، إلا أن ثلاثة عوامل مشتركة بدت واضحة في معظم القرارات، وهي المخاوف الأمنية، واستمرار اضطرابات حركة الطيران، وصعوبة ضمان مشاركة الضيوف والزوار الدوليين.

تأثير يتجاوز مجرّد تغيير المواعيد

تجاوز أثر هذه التأجيلات خسارة فعاليات محددة، إذ يمتد إلى إحدى الركائز الأساسية التي عملت المملكة على بنائها خلال السنوات الماضية، والتي تمثلت في تقديم السعودية كوجهة مستقرة للأعمال والاستثمار والسياحة والفعاليات الدولية.

فمنذ إطلاق رؤية 2030، استثمرت المملكة مليارات الدولارات لاستقطاب المؤتمرات العالمية والبطولات الرياضية والمهرجانات الثقافية كأدوات لتعزيز مكانتها الدولية وتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط.

لكن إرجاء عدد من أبرز هذه الفعاليات في فترة قصيرة يثير تساؤلات حول تأثير التطورات الأمنية الأخيرة، خصوصاً مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وإغلاق مطار الملك خالد الدولي في الرياض لفترات متقطعة، وما نتج عنه من اضطرابات لوجستية أثرت على حركة السفر والوصول إلى العاصمة السعودية.

من جهته، اعتبر د. عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، في مقابلة مع بي بي سي عربي أن الأمن والاستقرار أولوية مطلقة للمملكة، والشرط الأساسي لاستمرار الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والسياحية والدينية، مشيراً إلى أن المملكة تستقبل ملايين المعتمرين سنوياً، مما يجعل الحفاظ على الأمن عاملاً حاسماً لضمان استمرار تدفق الزوار وعدم تأثر حركة السفر.

وصف د. بن صقر إجراءات الإلغاء أو التأجيل الحالية بالموقتة التي تهدف إلى حماية الناس وضمان سلامتهم، موضحاً أن المملكة أوقفت الرحلات مع شعورها بوجود تهديدات تستهدف منشآت حيوية مثل مطار الرياض، وأكد أن “اهتمام المملكة الأول هو الأمن والسلامة، ولا شيء يوازي هذا الأمر مهما كان”.

هل يتردّد المستثمرون؟

يرى مراقبون أن تأجيل فعاليات بحجم “دافوس الصحراء” يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب التنظيمي، إذ أن المؤتمر الذي تحول في السنوات الماضية إلى منصة رئيسية لاستقطاب المستثمرين العالميين والشركات الكبرى، يمثل واجهة اقتصادية وسياسية تعكس طموحات المملكة.

وقد يُفهم تأجيل هذا المؤتمر كإشارة سلبية مؤقتة عن مستوى المخاطر، لا سيما بالنسبة للشركات العالمية التي تخضع لسياسات أمنية وتأمينية صارمة تحدد وجهات السفر المسموح بها لرؤسائها التنفيذيين.

ومع ذلك، أكد د. عبد العزيز بن صقر أن السعودية تمتلك مقومات قوية تدعم استمرار وجذب الاستثمارات، منها موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وقاعدة اقتصادية وصناعية واسعة، مشيراً إلى أن المملكة تعزز أمنها عبر بناء قدرات دفاعية وتطوير شراكات وتحالفات إقليمية ودولية.

وفي تصريحات لبي بي سي، أضاف أن المملكة تسعى إلى إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار ولم تعتدِ على أي دولة مجاورة، كما بنت قدرات دفاعية وأنظمة للدفاع عن أراضيها، وأقامت تحالفات تعزز مفهوم الدفاع الوطني.

من جانبه، قال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى الرياض والمستشار الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن جزءاً كبيراً من النموذج الاقتصادي السعودي يقوم على تحييد تداعيات النزاعات الإقليمية قدر الإمكان عن المملكة، موضحاً أن الحفاظ على صورة المملكة كدولة آمنة ومستقرة يعد عنصراً أساسياً في استقطاب المستثمرين والسياح وزوار المسيرة الاقتصادية.

وأشار راتني إلى أن الحرب تركت آثارها بالفعل، مشيراً إلى تأجيل مبادرة مستقبل الاستثمار وغيرها من الفعاليات الكبرى، ورأى أن المملكة تجد نفسها أمام معضلة حقيقية في ظل استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة التي ينفذها الحوثيون ضد مطارات المملكة، وما يترتب عليها من سقوط ضحايا مدنيين وأضرار بالبنية التحتية للطاقة.

وأوضح أن السعودية بحاجة إلى الرد عسكرياً، لكنها تدرك أن الحوثيين يمتلكون قدرة على الرد بوسائل غير تقليدية، مما يجعل التوتر مستمراً، واعتبر أنه بينما ستواصل السعودية الضغط العسكري، فإنها ستحتاج في نهاية المطاف إلى إيجاد مخرج وتهدئة الصراع.

تجربة 2018.. هل تتكرّر؟

مع ذلك، فإن تأجيل الفعاليات لا يعني بالضرورة تراجع الاهتمام الدولي بالسوق السعودية، كما يذكر تجربة عام 2018 حين واجهت مبادرة مستقبل الاستثمار مقاطعة واسعة من شخصيات سياسية واقتصادية غربية عقب مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول.

رغم ضغوط الإعلام والسياسة، نجحت السعودية لاحقاً في استعادة الزخم وجذب استثمارات وصفقات بنحو خمسين مليار دولار أمريكي، ما يشير إلى أن الاعتبارات الاقتصادية تدفع المستثمرين إلى مراجعة مواقفهم عندما تتوفر فرص استثمارية كبيرة.

لكن الفرق هذه المرة يكمن في أن التحدي يرتبط بالأوضاع الأمنية الميدانية أكثر من الصورة الإعلامية أو السياسية أو ملف حقوق الإنسان، إذ تمثل المخاطر المباشرة على سلامة الأفراد والبنية التحتية عاملاً أكثر حساسية في حسابات المستثمرين والمؤسسات الدولية.

اختبار لرؤية 2030

رجح مايكل راتني أن تؤثر تأجيلات الفعاليات والأنشطة المختلفة على جهود المملكة على المدى القريب، لكنه شدد على أن هذه التداعيات لن تغير من متانة النموذج السعودي على المدى البعيد، مشيراً إلى استمرار المملكة في إعادة تشكيل اقتصادها ومجتمعها استعداداً لعصر ما بعد الوقود الأحفوري.

وذكر أن مسار التحول الاقتصادي السعودي يبقى قائماً رغم التحديات الراهنة، مؤكداً أن السعوديين لا يملكون خياراً سوى الاستمرار في طريق التنويع الاقتصادي والتحول المجتمعي.

بناءً عليه، تُعتبر هذه التطورات اختباراً عملياً لقدرة السعودية على الموازنة بين طموحاتها الاقتصادية والتحديات الأمنية المحيطة بها، حيث لا تقتصر أهمية الفعاليات المؤجلة على العائد الاقتصادي المباشر، بل تمثل أيضاً أدوات للقوة الناعمة التي اعتمدتها المملكة لإعادة صياغة صورتها الدولية عبر المؤتمرات الاستثمارية والفعاليات الثقافية والرياضية، إلى جانب تخفيف بعض القيود الاجتماعية.

في النهاية، قد لا تكمن المشكلة في تأجيل فعالية أو مؤتمر محدد، بل في قدرة المملكة على المحافظة على صورتها التي سعت إلى ترسيخها خلال السنوات الأخيرة كدولة آمنة ومستقرة وقادرة على جذب الاستثمارات والزوار في بيئة إقليمية مضطربة.

وهكذا، كلما عادت الثقة بقدرة المملكة على ضمان الاستقرار والاستمرارية، ستعود معها المؤتمرات والاستثمارات والزخم الدولي الذي تراهن عليه رؤية 2030.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin