التفوق العسكري للصين وتأثيره على تباطؤ سيناريو غزو تايوان وفق تحليلات دولية

لطالما ارتبطت تايوان بسيناريو غزو صيني محتمل قد يفضي إلى أحد أخطر النزاعات في العالم، وبقيت تقديرات موعد تنفيذ هذا الغزو حاضرة في الدراسات والتحليلات العسكرية خلال السنوات الماضية. غير أن تقارير استخباراتية أميركية نقلتها وكالة رويترز تشير إلى تراجع احتمال شن غزو شامل قبل عام 2028، إلى جانب مؤشرات على تباطؤ في بعض الاستعدادات العسكرية الصينية.
من حيث القدرات التقليدية، تبدو الفوارق بين الصين وتايوان كبيرة للغاية، إذ تنفق الصين أكثر من 300 مليار دولار سنويًا على قواتها المسلحة، مقابل ميزانية دفاعية تايوانية تقترب من 31 مليار دولار، كما يبلغ عدد الجنود في الجيش الصيني الفعلي أكثر من مليوني جندي، فيما يصل قوام القوات التايوانية إلى نحو 230 ألف جندي بالإضافة إلى قوة احتياط تُقدر بحوالي 1.6 مليون فرد.
الفارق يتسع أكثر في المجال البحري، حيث تمتلك الصين أسطولًا يضم أكثر من 840 قطعة بحرية بينها 3 حاملات طائرات و61 غواصة منها غواصات نووية، في حين تعتمد تايوان على نحو 91 قطعة بحرية و4 غواصات تقليدية، مما يخلق فروقًا كبيرة في الحجم والقدرات البحرية بين الطرفين.
وفي المجال الجوي، تتفوق الصين أيضًا بشكل ملحوظ بامتلاكها أكثر من 3500 طائرة عسكرية منها مقاتلات من الجيل الخامس مثل J-20، فيما تمتلك تايوان نحو 720 طائرة تشكل مقاتلات F-16V الأميركية المطورة القوة الجوية الأساسية لديها.
تتضمن التفوق الصيني أيضًا ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والصواريخ بعيد المدى والأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب قدرات نووية متطورة، بينما تبني تايوان أسلحتها على منظومات دفاعية، تتركز حول الصواريخ المضادة للسفن والصواريخ الجوالة وأنظمة الدفاع الجوي، مع العلم بأنها لا تملك أسلحة نووية.
رغم هذا التفوق الهائل، لا يعني وجود القوة تسهيل تنفيذ غزو برمائي معقد، إذ يعتمد السيناريو الصيني على تحقيق تفوق سريع في الساعات الأولى عبر ضربات صاروخية وجوية تستهدف البنى التحتية العسكرية ومراكز القيادة والدفاعات الجوية، قبل بدء عمليات الإنزال والسيطرة على الأراضي.
وتشير التقارير إلى وجود قلق داخل المؤسسة العسكرية الصينية بسبب حملة مكافحة فساد وإعادة هيكلة أفضت إلى الإطاحة بعدد من كبار المسؤولين في الجيش، بمن فيهم وزير الدفاع وقادة في قوة الصواريخ، مع تقارير عن مشكلات في الفساد، والاختبارات الفنية، وجودة الوقود، والصيانة، وأنظمة إطلاق الصواريخ.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن قوة الصواريخ تمثل ركيزة أساسية في أي عملية عسكرية ضد تايوان، وما زال من المتوقع أن تفرض هذه التحديات عمليات مراجعة وإصلاح وإعادة تنظيم قبل الوصول إلى المستوى المطلوب من الجاهزية.
من ناحيتها، تعتمد تايوان في استراتيجيتها على جعل الغزو مكلفًا ومعقدًا قدر الإمكان، من خلال تعزيز الدفاعات الساحلية، وزرع الألغام البحرية، ونشر أعداد كبيرة من الصواريخ المضادة للسفن والمتنقلة، إلى جانب منظومات دفاع جوي قادرة على مواجهة ضربات مكثفة.
وفي حال تمكنت القوات الصينية من تنفيذ عمليات الإنزال على الشواطئ، فإن طبيعة المعارك قد تتحول إلى مواجهات داخل المدن والتضاريس الجبلية، حيث تمنح هذه الظروف المدافعين فرصة لخوض حرب استنزاف طويلة، وهي معركة قد تختلف جذريًا عن الحملة العسكرية الخاطفة التي تسعى إليها الصين.
وبالتالي، لا تكمن المشكلة بالنسبة للصين فقط في امتلاك القوة اللازمة، بل في ضمان نجاح العملية بأكملها من الضربة الأولى وحتى السيطرة على الجزيرة، مع تجنب تحول الصراع إلى مواجهة طويلة تستنزف الموارد والقوات والاقتصاد.
تشير المعطيات الحالية إلى أن بكين لم تتخلّ عن هدفها السياسي تجاه تايوان، لكنها تتعامل مع حسابات عسكرية واستراتيجية معقدة، تزامنًا مع جهود إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية ومعالجة أوجه الخلل الداخلي، في وقت تتابع فيه التطورات السياسية والانتخابية داخل تايوان والتحولات في علاقاتها الخارجية.
يبقى العامل الأكثر حساسية احتمالية اتساع نطاق الحرب، حيث قد يؤدي اندلاع مواجهة حول تايوان إلى تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر، إلى جانب احتمال مشاركة حلفاء واشنطن في المنطقة مثل اليابان وأستراليا، مما قد يحول النزاع إلى أزمة عسكرية واقتصادية واسعة النطاق.
لهذا، لا تحسم معادلة تايوان فقط مقارنة أعداد الطائرات والسفن والصواريخ، بل تشمل عوامل مثل الجهوزية، والقدرة على تنفيذ إنزال عسكري ضخم، واستمرارية الإمداد، والدفاعات الساحلية، والحرب الإلكترونية، والتدخلات الخارجية، إضافة إلى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل الصدمات المحتملة في منطقة تعد مركزًا رئيسًا لصناعة التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وبينما تمتلك الصين تفوقًا عسكريًا تقليديًا واضحًا من حيث الحجم والقدرات، يظل تنفيذ غزو ناجح معقدًا للغاية، وهو ما يفسر استمرار التركيز الاستخباري والعسكري على قضايا التوقيت والجاهزية، بدلاً من الاكتفاء بمقارنة أعداد الأسلحة.




