القاهرة تتهم مدققي الأخبار بالتبعية لجماعة الإخوان في حملة معلوماتية

اتهمت وزارة الداخلية المصرية في بيان نشرته الخميس الأول من أكتوبر 2026 عبر صفحتها على فيسبوك منصة “متصدقش” بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وزعمت أن المنصة تُدار من الخارج بمساعدة عدد من “العناصر الإخوانية” داخل البلاد التي تتلقى تمويلاً من الخارج.
وردت منصة “متصدقش” سريعًا على بيان وزارة الداخلية، مؤكدة في منشور عنوانه “لسنا إخوان بشهادة الأجهزة الأمنية.. 5 معلومات مضللة في بيان الداخلية عن متصدقش” أن الاتهامات عارية عن الصحة.
ووفقًا لما صرحت به المنصة، يتكون فريق تحريرها من ستة صحفيين معروفين بانتقادهم للحكومة، ولم يقتصر نقدهم على السلطات فحسب، بل شمل أيضًا قنوات الإخوان، إذ نشرت المنصة تقريرًا مرئيًا تناول طريقة ترويج قنوات الإخوان لشائعات حول دور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أزمة سد النهضة.
من جهته، وصف الناشط الحقوقي نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، في منشور له على فيسبوك اتهام الصحفيين بالانتساب للإخوان بأنه “أغبى” ما جاء في قرار القبض عليهم، مؤكدًا أن ما ينشر على منصاتهم يتميز بالعمل المهني والتدقيق بالأرقام والأدلة.
كما شدد الصحفي والخبير الإعلامي وليد الشيخ في حديثه مع DW عربية على أن منصة “متصدقش” معروفة بتحققها من العديد من الأكاذيب التي تبثها جماعة الإخوان وأنصارها، ولاحظ استياء واسعًا من بيان وزارة الداخلية الذي ربط المنصة بالإخوان، مشيرًا إلى موقف نقيب الصحفيين وأعضاء مجلس النقابة الرافضين للاعتقالات، الذين تقدموا ببلاغ للنائب العام وبتظلم لوزير الداخلية للمطالبة بالإفراج فورًا عن الصحفيين الستة.
ووصف عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين محمود كامل الواقعة بأنها “فجة” وتعبّر عن مناخ عام خانق للحريات، مؤكدًا أن الموقوفين لم يرتكبوا سوى أداء واجبهم الصحفي المتمثل في البحث والتحليل وكشف الحقائق، وهو جوهر عمل الصحافة.
وأدانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة غير حكومية، الحملة الأمنية التي بدأت مساء الاثنين 28 سبتمبر 2026، مشيرة إلى أن أربعة من الصحفيين تم إلقاء القبض عليهم من منازلهم في محافظات القاهرة والغربية وبورسعيد، بينما جرى توقيف اثنين آخرين من أحد شوارع القاهرة.
ثماني سنوات من التحقق والتدقيق الإخباري
قبل إصدار بيان وزارة الداخلية، أكدت منصة “متصدقش” على صفحتها في فيسبوك أن عمل الصحفيين المعتقلين هو عمل مهني يعتمد على إعداد مواد صحفية والتحقق من المعلومات وتوثيقها ونشرها وفق المعايير المهنية، ودعت إلى الكشف الفوري عن أماكن احتجازهم وأسباب الاعتقال وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم.
وتعمل المنصة في مجال التحقق والتدقيق الإخباري منذ عام 2018، ومن بين أحدث منشوراتها تدقيقًا في تصريحات لوزير الخارجية المصري حول أعداد اللاجئين في مصر، بالإضافة إلى منشورات عن مشاكل في حركة تعيينات النيابة العامة وانتشار المحسوبية.
إفلاس في سردية السلطة
يرى وليد الشيخ أن منصة “متصدقش” اكتسبت ثقة الناس نتيجة المصداقية وافتقادها لأي ارتباط سياسي، إضافة إلى قيامها بدور الصحافة الحرة في مساءلة المسؤولين، وأشار إلى أن المنصة لا تقدم آراء يمكن معارضتها، بل تقتصر على التحقق من الأخبار والتصريحات الكاذبة بالأدلة والوثائق، مما يضعف مصداقية الرسائل المضللة.
وتعرف المنصة نفسها بأنها “منصة مستقلة متخصصة في التحقق من المحتوى المصري والعربي وإنتاج تقارير وتحقيقات مفتوحة المصدر”، وتحظى بأكثر من 1.3 مليون متابع على فيسبوك.
وأكد وليد الشيخ أن أهم نقاط قوة المنصة تكمن في الحياد المنهجي تجاه المؤسسات والتوجهات المختلفة، وتقديم منهج واضح يمكن تكراره واستخدام أدوات المصادر المفتوحة، ما يتيح للآخرين محاكاة أسلوبها للتحقق من صحة المعلومات، إلى جانب عرض النتائج بلغة سهلة يفهمها جمهور وسائل التواصل الاجتماعي.
بدوره، انتقد جمال عيد، رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، اعتقال الصحفيين، معيدًا نشر رد المنصة على بيان وزارة الداخلية، ومطالبًا بالإفراج عنهم.
هجمات ممنهجة على الحريات الأساسية
تتعرض القاهرة لانتقادات محلية ودولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وحرية التعبير، واستمرار حبس المتهمين احتياطيًا رغم انقضاء المدد القانونية.
وبحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بلغ عدد الصحفيين الموقوفين على خلفية ممارسة عملهم في مصر 26 صحفيًا، بينما تشير لجنة حماية الصحفيين إلى وجود 19 صحفيًا معتقلًا حاليًا في البلاد، وشملت الحملة في الآونة الأخيرة استخدام أدوات قانونية ضد مستخدمي تطبيق “ديسكورد” وصناع المحتوى والكوميديين والمعلقين عبر الإنترنت.
وقال نقيب الصحفيين خالد البلشي في بيان النقابة إن غالبية الصحفيين المحتجزين تجاوزوا فترات الحبس الاحتياطي التي يحددها القانون، مما حول الحبس المؤقت إلى عقوبة دائمة.
وتأتي مصر في المرتبة 169 على مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود من بين 180 دولة حول العالم.
وتقول منظمات حقوقية إن مصر تحتجز أعدادًا كبيرة من المعارضين وسجناء الرأي، وهو ما تنفيه السلطات موضحة أن الموقوفين متهمون بقضايا جنائية.
وفي 4 أكتوبر 2026، قرر البرلمان المصري تأجيل بدء سريان قانون الإجراءات الجنائية الجديد إلى أكتوبر 2027، الذي يتضمن مواد تحد من التمديد المطول للحبس الاحتياطي، على الرغم من الجدل المحلي والدولي حول مواده المتعلقة بعدالة الإجراءات وحقوق الإنسان.
وأفاد التقرير السنوي الأخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش بأن السلطات المصرية شنت هجمات ممنهجة على الحريات الأساسية خلال عام 2025، ما أدى إلى زيادة أعداد الموقوفين.




