د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

القيادة الفعالة تتطلب الاحترام والجدية وليست مجرد شخط ونطر وإهانة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تتميز الصحافة الحرة بنشر الأخبار الصادقة، وفي غيابها تسجل منصات التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة أحداثاً واقعية موثقة، كانت قد تغيب عن أذهان الناس قبل عصر الإنترنت والهواتف المحمولة. ظاهرة قديمة في مصر، لكنها ازدادت خطورتها في السنوات الأخيرة، تتمثل في قيام مسؤول كبير بزيارة تفتيشية لمكان ما والإساءة إلى المسؤولين هناك عبر استخدام لغة حادة وقاسية تصل أحياناً إلى قلة الأدب، كما يظهر في مقاطع الفيديو التي يصورها الحاضرون، وهو مشهد يثير الأسى بسبب نوعية بعض المسؤولين.

شهدنا عدة وزراء للخدمات يزورون مواقع عمل ويهينون الموظفين ويتهمونهم بالجهل، ثم يتضح لاحقاً أن كلامهم كان خاطئاً وغير مدروس، مما يعكس عدم فهمهم للموضوع أو لحساباته.

يشمل الأمر كذلك بعض المحافظين الذين يرافقهم عدد كبير من الموظفين والأفراد غير الضروريين في الزيارات، ويهاجمون الموظفين بعبارات شديدة اللهجة دون مناقشة أو استماع، ويصدرون قرارات خصم أو نقل أو إيقاف دون تحقيق مسبق لمعرفة سبب الخطأ وحجمه، وهو ما ينعكس سلباً على حقوق الموظفين. بعض المسؤولين يسعون لاستعراض قوتهم بإهانة آخرين علناً مثل رؤساء وزارات التعليم الذين يستدعون مديري مدارس عبر المحافظ ويمثلون معهم في مناسبات أمام الكاميرات، مما يعطي انطباعاً بأن هذا السلوك نوع من “النجاح الشعبي”، رغم أن ذلك غير لائق، ويجب أن يتم التواصل بين الوزراء والمحافظين لحل الأمور بهدوء واعتذار عند الخطأ.

في الجامعات، يتجول رؤساء الجامعات مصحوبين بجوقة كبيرة من الأساتذة والموظفين والمرافقين، في حين أن مدير الجامعة أو المحافظ لا يحتاج إلى أمن مبالغ فيه أو مرافقة كثيفة، بل يمكنه القيام بالزيارات بمساعدة قليلة لتفادي تعطيل العمل، أما في المستويات الأدنى مثل وكلاء الوزارات، فإنهم يزورون المدارس أو الوحدات الصحية ويبدو أن المشكلة الحقيقية تعود إلى وزارتهم، ويقومون بإثارة الضجة دون التحقق أو الحوار بهدوء مع المسؤولين في الأماكن التي يزورونها.

تُفيد الدراسات النفسية وإدارة الموارد البشرية بأن الإهانة والصراخ لا تجعل القائد أكثر قوة، بل تزيد من خوف المسؤولين وتقلل قدرتهم على المبادرة. دراسة الباحثة بينيت تيبر أوضحت وجود علاقة بين الإدارة العليا المسيئة ورغبة العاملين في ترك العمل، وانخفاض مستوى الرضا والانتماء للمؤسسة؛ حيث يؤدي استخدام العنف والسخرية والحط من كفاءة العاملين إلى فقدان الموهوبين والمهرة، واستمرار فقط الكسالى وغير المهتمين بتطوير العمل. كذلك تؤثر الإهانات في الحالة النفسية للعاملين، مما يتطلب أنظمة وإجراءات تحد من سلوك هذا النوع من القادة الغاضبين الذين يظنون أن الصراخ هو الحل.

أكدت دراسة أمير أوز أن التعرض لمخاطبات حادة يقلل من جودة الأداء ويقضي على احتمالات الإبداع، ويجعل الفرد محبطاً وغير راغب في مساعدة الآخرين، ما يؤثر سلباً على الإنتاجية.

ارتكزت عدة بحوث ميدانية على تأثير الإهانة والمعاملة السيئة من الرؤساء على جودة الإنتاج، ومن ضمنها بحث هام للدكتور إدموندسون من جامعة هارفارد، الذي أكد أن بيئة العمل التي تمنح العاملين حرية التعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء دون خوف أو إذلال تحقق النجاح والتقدم، بينما المؤسسات التي يعم فيها الخوف والرهبة تتراجع باستمرار. ودراسة أخرى أجرتها شركة جوجل أبرزت أن الأمان النفسي للعاملين ضرورة أساسية لضمان جودة العمل والتطور، كما لا تأتي المواهب والعباقرة بثمارها وسط بيئة مرهقة نفسياً.

من السهل أن يثير القائد الخوف بين الموظفين، لكن من الصعب أن يحظى باحترامهم، فالخوف قد يحقق الطاعة لكنه لا يصنع قيادة حكيمة، وهو يؤدي في نهاية المطاف إلى الإحباط أو الغضب أو ردود فعل عنيفة تُلحق أضراراً جسيمة.

ظاهرة رفع الصوت وإهانة الموظفين أمام زملائهم منتشرة عالمياً، وتكثر في دول العالم الثالث في قطاعات الحكومة والوزارات والإدارات العليا، مع اعتبار أي اعتراض نيابة عن الموظف قلة احترام، وتظل بيئة العمل مليئة بالخوف وعدم الاحترام وكراهية القائد.

توجد فروق واضحة بين الحزم والإهانة، إذ يستطيع المدير الجيد أن يعبر بحزم عن الخطأ، ويطلب الإصلاح، مع الحفاظ على احترام كرامة الأفراد، وبهدوء دون رفع صوت أو استخدام عبارات مسيئة. وقادت تاريخية مثل نلسون مانديلا، الذي أمضى 27 عاماً في السجن، واصل قيادة بلاده بحكمة دون إهانة من جمع حولهم، ما ساهم في استمرار الوحدة الوطنية والتقدم، كما فعل جورج واشنطن الذي قاد حرب الاستقلال وسلم السلطة طواعية معتزلاً السياسة.

على جميع كبار المسؤولين التحلي بالحكمة، وفهم أن إهانة أي إنسان سوء مهنى وإنساني وسياسي، مع وجود أنظمة قانونية واضحة لمعاقبة المخطئ، فكرامة الإنسان ركن أساسي يجب عدم انتهاكه، ولا يصح أن يكون لسان الوزير أو المدير هو الحكم.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin