سنغافورة تواجه تحديات كبيرة رغم نجاحها الاقتصادي

على مدى السنوات الماضية وحتى الآن، يردد مسؤولون ورجال أعمال ومثقفون من مصر والعالم العربي دعوات متكررة لأن تكون بلادهم «سنغافورة جديدة» باعتبارها نموذجًا مثالياً للتقدم والنجاح، ويعتقدون أن تقليد هذا النموذج جاهز كحل للخروج من التخلف والفقر. لكن هذا الاختزال يظلم سنغافورة ونفسنا، لأن تحقيق هذا الواقع لم يكن وليد أمنيات أو تصريحات، بل جاء بعد معركة شاقة من العمل والانضباط والجدية.
تُعد سنغافورة جزيرة صغيرة بمساحة ٧٣٥ كيلومترًا مربعًا فقط، وهي مساحة تقل أربع مرات عن محافظة القاهرة مع مدنها الجديدة وظهيرها الصحراوي، ويبلغ عدد سكانها 5.6 مليون نسمة، ما يجعل إدارة وتوحيد مجتمعها صغير الحجم أمرًا مختلفًا عن إدارة المجتمع المصري الضخم والمساحة الشاسعة.
انطلقت رحلة صعود سنغافورة في منتصف الستينيات بقيادة لي كوان يو الذي اتبع أسلوب حكم يجمع بين القبضة السياسية الصارمة والحزم الإداري، وُصِف بأنه نموذج المستبد الكفء، وهو ما يختلف عن بعض التجارب العربية حيث يغيب فيها تطبيق سيادة القانون واجتثاث الفساد وتعيين الكفاءات بدلاً من أصحاب الواسطة، رغم تغليظ السلطة واليد الأمنية.
نظرًا لقلة الموارد الطبيعية، ركزت سنغافورة استثماراتها الحقيقية على العنصر البشري من خلال تطوير التعليم ومواكبة العصر، مع اهتمام خاص باللغة الإنجليزية وتدريب الكوادر، إذ يحقق طلابها مراكز متقدمة في المسابقات العالمية في الرياضيات والعلوم، على عكس التعليم المصري الذي يعاني من ضعف في مخرجاته ومهارات طلابه، مما يجعل الخريج السنغافوري مؤهلاً للأسواق العالمية في حين يفتقر خريجونا حتى للسوق المحلي.
ثقافة الانضباط والالتزام بالقوانين تجسد المجتمع السنغافوري، حيث يُمنع رمي القمامة في الشوارع واختراق إشارات المرور ومضغ اللبان في الأماكن العامة، وتفرض عقوبات صارمة على المخالفين، بينما تتحول شوارعنا إلى أكثر «إنباء من الكتب» حيث تُكسر قوانين المرور ويُعد التحايل على القوانين وسيلة لكسب المال. ومن المفارقات أن بعض المطالبين بسنغافورة جديدة يرفضون الالتزام بأبسط قواعد الانضباط في الشارع.
لا أنكر حق الحلم بالتقدم والرغبة في الاقتداء بالآخرين، لكنني أدعو إلى استنساخ تجارب واقعية وبمناسبة لقدراتنا، لأن المبالغة في أحلام غير واقعية قد تؤدي إلى الإحباط. النموذج الأفضل للدول التي تعاني أزمات تمنعها من أن تكون مثل سنغافورة، هو نموذج رواندا التي انتقلت من دمار وحرب أهلية عام 1994 إلى دولة مستقرة تحقق معدلات نمو سنوية تقارب 10٪، وتجذب الاستثمارات الأجنبية، وقد نجحت في القضاء على الرشوة والفساد عبر الرقمنة، مع تسجيل الشركات في ساعات قليلة، ويعمل الجميع وفق القانون والنظام والشفافية، لذلك يمكن اعتبار رواندا بديلاً واقعياً وملهمًا لسنغافورة.





