من المتوقع أن تشهد مصر اختيار رئيس جديد في المرحلة المقبلة

لا يمكن التكهّن بسهولة بمن سيقود مصر مستقبلًا، فالتاريخ يشهد أن الرؤساء جاءوا في ظروف غير متوقعة، كما في حالة جمال عبد الناصر الذي جاء من الخلفية الشعبية وانتزع الحكم من الأسرة العلوية.
بعد عبد الناصر، خلفه أنور السادات الذي لم يكن الأكثر بروزًا بين رفاق مجلس قيادة الثورة، وكان ضابطًا متواضعًا، غير أن الظروف قادته إلى الحكم.
وعقب حرب أكتوبر، اختار السادات اللواء الطيار حسني مبارك نائبًا له، رغم أن مبارك لم يكن من أبرز قادة الحرب أو من ذوي الطموحات السياسية العالية، بل كان يطمح إلى مناصب مثل السفير في لندن أو محافظ الإسماعيلية.
ومن خارج دائرة الجيش، وصل محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى الحكم لمدة عام متجاوزًا قيادات الجماعة الأقوى كخيرت الشاطر ومشاهير مكتب الإرشاد.
كما أتى عبد الفتاح السيسي، أحد أعضاء المجلس العسكري، إلى منصب الرئاسة وهو ليس الأكبر أو الأشهر بين أقرانه في المجلس.
تختلف ظروف وصول كل رئيس للحكم، وقد تبدو في مروياتها منطقية داخليًا، لكنها بالنسبة للخارج تبدو مفاجئة وغير متوقعة.
لقد سجل التاريخ أسماء حكام متعددين لمصر، منهم من حكم أكثر من مرة كناصر محمد بن قلاوون، ومنهم من تولّى الحكم وهو طفل مثل توت عنخ آمون، أو حتى كرضيع كما في العصور المملوكية، مما يوضح أن الحاكم كان قدرًا في كثير من الأحيان وليس اختيارًا شعبيًا، مع وجود استثناءات نادرة.
في هذا السياق، يثير الحديث الحالي للرئيس السيسي عن عزمه مغادرة الحكم بنهاية فترة ولايته عام 2030 تساؤلات حول من سيرث حكم مصر، خاصة مع إشارته إلى إعداد نخبة من المرشحين الذين ستخضعهم الدولة لدورات تدريبية.
يناقش البعض ما إذا كان الرئيس القادم ينبغي أن يكون اختيارًا شعبيًا من بين عدة مرشحين يرافقون حياتهم العامة بمتابعة مستمرة، أم أن الرئيس السيسي، بحسب رؤيته، سيضع آليات محددة لاختيار خليفة بناءً على معايير خاصة.
يُعتقد أن السيسي يسعى لنقل الحكم إلى خليفة مؤتمن حسب معاييره، معتبرًا أن الأمانة والائتمان أعلى أولوية من مجرد الحق الحر للشعب في اختيار رئيسه، وهو ما يتضح من تجربة انتخاب محمد مرسي الذي انتخبته الجماهير رغم اعتراضات السلطة آنذاك.
يثار جدل حول كيفية اختيار الخمسين مرشحًا الذين تحدث عنهم الرئيس، خاصة نسبة الذكور إلى الإناث، والمسلمين إلى المسيحيين، والعسكريين إلى المدنيين، والتكنوقراطيين إلى السياسيين، بالإضافة إلى مدى ملاءمة تخصصات بعض المرشحين الجامعية لمنصب رئاسة الجمهورية، رغم احترام كافة التخصصات.
يُطرح أيضًا سؤال عن مصير النائب أو النواب المحتملين بعد اختيار الخمسين مرشحًا، وإمكانية ظهور قيادة مفاجئة من خارج هذه المجموعة، بالإضافة إلى مدى تأسيس اللجنة المختارة على دعم دستوري ومنطق سياسي معتمد في أنظمة أخرى، أم أنها مجرد اقتراح قد لا يستمر مع تغير الظروف.
على الرغم من أن مثل هذه البرامج قد تكون مناسبة لإعداد كوادر وزارية ومسؤولين كبار، فإن منصب الرئاسة بجميع خصوصياته لا يبدو ملائمًا لطرق اختيار مبرمجة مسبقًا يتم تنفيذها بواسطة أشخاص محددين وفق قناعاتهم الشخصية.
وهناك نماذج دولية، مثل الولايات المتحدة، تنشط فيها جماعات سرية تؤثر على اختيار القادة، كما توجد دول تعتمد على الأحزاب أو مؤسسات الأمن أو الأسر الحاكمة لتشكيل قياداتها المستقبلية.
ومع هذه التساؤلات، لا بد من شكر الرئيس السيسي على حرصه الجاد على تسليم السلطة سلمياً، واهتمامه بمصير الوطن، وإصراره على ترك الحكم لخليفة كفء يمكنه أداء المهمة على الوجه الأكمل.
وفي الختام، لا يغيب عن الذهن أن الحكام الذين تعاقبوا على مصر في التاريخ كثيرًا ما كانوا شخصيات مفاجئة وغير متوقعة.





