صندوق النقد يحذر من ثلاث أزمات كبرى تهدد الاقتصاد العالمي

حذر صندوق النقد الدولي من ثلاث أزمات كبرى تحاصر الاقتصاد العالمي، تتمثل في صدمة طاقة مستمرة، وارتفاع غير مسبوق في مستويات الدين العام، بالإضافة إلى طفرة استثمارية في مجال الذكاء الاصطناعي تقدم فرص نمو كبيرة لكنها تحمل أيضًا مخاطر اضطراب الأسواق.
في ظل تجاوز أسعار الطاقة مستوى 100 دولار للبرميل واتجاه الدين العالمي للاقتراب من 100٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع بقاء توقعات التضخم مرتفعة، أصبح تأجيل الإصلاح المالي يفاقم المشكلة بدلاً من تأجيلها.
أوضحت المديرة العامة لصندوق النقد، كريستالينا جورجييفا، أن الاقتصاد العالمي يعاني من توازن دقيق بين صدمة عرض سلبية ناجمة عن أزمة الطاقة وصدمة طلب إيجابية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والذي بدوره يضيف ضغوطًا تضخمية جديدة على الأسواق.
وتعد صدمة الطاقة الأخطر، حيث أكدت جورجييفا أن أسعار النفط تدور حول 100 دولار للبرميل، مع إضافة اختناقات في التكرير تزيد تقريباً 100 دولار في هوامش بعض المنتجات الأساسية، منها الديزل، ويستمر تهديد شحن الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز مع اقتراب موسم الشتاء وزيادة الطلب، ما يعزز توقعات استمرار ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2027 وفق عقود برنت الآجلة.
ويُظهر مقارنة توقعات صندوق النقد السابقة في يوليو 2023، التي توقعت نموًا عالميًا بنسبة 3% في 2026 و3.4% في 2027، استنادًا إلى عودة تدريجية لمضيق هرمز إلى طبيعتها ومتوسط أسعار نفط أقل بكثير من الأسعار الحالية، حجم التحدي الذي تواجهه الأسواق، خاصة مع استمرار أسعار النفط فوق تلك التقديرات، مما يضع ضغطًا على سيناريو تعافي الاقتصاد العالمي.
ولا تقتصر صدمة الطاقة على الوقود، بل تمتد إلى ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، حيث وصلت عوائد السندات السيادية لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان إلى مستويات غير مسبوقة منذ 2007 و2009 و1996 على التوالي، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل للدول والشركات، خصوصًا التي تحتاج لإعادة تمويل ديونها في بيئة فائدة مرتفعة.
ارتفاع الدين العالمي.. النمو لم يعد كافيًا لإنقاذ الحكومات
يشير صندوق النقد إلى أن الدين العام العالمي وصل إلى أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، ومن المتوقع أن يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي قبل عام 2030، مع تعرض الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة، لأشد الضغط فيما يتعلق بنسبة الدين إلى الناتج.
وترى جورجييفا أن الاعتماد على النمو الاقتصادي بمفرده لخفض أعباء الدين لم يعد فعالًا، خاصة مع تراجع الفارق بين تكلفة الاقتراض ومعدل النمو، واستمرار العجوزات المالية فوق مستويات ما قبل الجائحة في معظم الدول، كما أشارت إلى أن الاعتماد الكبير على أذون الخزانة قصيرة الأجل يزيد من الاحتياجات التمويلية للولايات المتحدة وحساسية تكلفة الدين تجاه أسعار الفائدة.
ويأتي ذلك في سياق استمرار التضخم مرتفعًا فوق المستهدف لأكثر من خمس سنوات، حيث تحفز عدة عوامل الضغوط السعرية، منها استثمارات الذكاء الاصطناعي وصدمات الطاقة والغذاء، إضافة إلى الرسوم الجمركية وزيادة الإنفاق الدفاعي وارتفاع تكلفة خدمة الدين.
واقترحت جورجييفا تبني سياسة نقدية متشددة بحذر، بعد رفع أسعار الفائدة من قبل بنوك مركزية كبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، في ظل توقعات استمرار التضخم المرتفع التي قد تجبر البنوك المركزية على المحافظة على معدلات فائدة مرتفعة لفترات أطول حتى بعد انحسار الصدمات الأولية.
وأشار الصندوق إلى أن الأسر الفقيرة تتحمل أعباءً أشد بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والاحتياجات الأساسية، مع تضخم فعلي يتجاوز مؤشر التضخم العام بنحو 0.8 نقطة مئوية، ما أدى إلى زيادة عدد الأشخاص تحت خط الفقر المدقع بنحو 23 مليونًا بين 2021 و2024 مقارنة بالتقديرات السابقة، وينصح الصندوق بالتحويلات النقدية المؤقتة والموجهة بدلًا من الدعم الشامل، لكونها أكثر كفاءة من حيث التكلفة مقارنة بسياسات كبح الأسعار أو تخفيض ضرائب الاستهلاك أو دعم المنتجين.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة نمو محفوفة بالمخاطر
يمثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الاستثناء الوحيد القادر على زيادة سقف النمو الاقتصادي العالمي، حيث يصل حجم الاستثمار في هذا المجال كنسبة من الناتج إلى مستويات تعادل أو تتجاوز استثمارات تاريخية كبيرة مثل السكك الحديدية وشبكات الكهرباء والاتصالات، وتشكل منتجات ومكونات الذكاء الاصطناعي أكثر من 10% من تجارة السلع العالمية.
ويقدر الصندوق إمكانية إضافة الذكاء الاصطناعي نحو 0.5 نقطة مئوية إلى النمو السنوي العالمي، مما يرفع المعدل من 3% إلى 3.5%، وهو ما يعادل إضافة اقتصاد بحجم رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على مدى عقد، لكن المكاسب تعود بشكل رئيس إلى الاقتصادات الأكثر اندماجًا في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، مما قد يزيد فجوة عدم المساواة بين الدول.
وحذرت جورجييفا من أن حدوث خيبة أرباح، بالتزامن مع مديونية مرتفعة لشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة وحيازات ضخمة للأسهم الأمريكية على مستوى العالم، قد يحول تصحيح السوق إلى صدمة واسعة النطاق.
نهاية عصر السهولة وضرورة مواجهة الفاتورة المؤجلة
أكدت جورجييفا أن الحكومات لا يمكنها الاعتماد فقط على نمو اقتصادي أعلى لتحسين أوضاعها المالية، داعية إلى تنفيذ خطط موثوقة لضبط المالية العامة على المدى المتوسط، واتخاذ إجراءات مالية مسبقة في بعض الدول لتخفيف الضغط على السياسة النقدية، إلى جانب تعزيز مهارات العمال، تسهيل دخول الشركات الجديدة وخروج المتعثرة، دعم أمن الطاقة، وتبسيط التنظيمات، مع بناء هوامش مالية حتى إذا كانت الإصلاحات مكلفة سياسيًا.
وحذرت من أن ضغوطات قد تدفع البنوك المركزية إلى شراء الدين الحكومي لتخفيف الأعباء المالية، معتبرة أن اللجوء إلى هذا المسار يشبه ظهور “رعاة نقديين” يسرعون لإنقاذ المالية العامة.





