دونالد ترامب يتساءل عن قوة الاقتصاد الأمريكي خلال ولاية الرئيس الحالي الثانية

يُلاحَظ أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يكرر في مناسبات عدة إشادته بأداء الاقتصاد الأمريكي، مؤكداً أنه عزز مستويات الدخل وخفّض التضخم وخلق فرص عمل جديدة، معتبراً أن الاقتصاد الأمريكي هو الأكثر نشاطاً على مستوى العالم.
رغم الأداء الاقتصادي الأفضل من المتوقع بعد تطبيق ترامب لرسوم جمركية واسعة ضمن ما أطلق عليه “يوم التحرير” عام 2025، هناك مؤشرات على أن تلك الرسوم، إلى جانب تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ساهمت في رفع معدلات التضخم، مع شعور معظم الأسر الأمريكية بآثار سلبية ناجمة عنها.
ويستفيد الاقتصاد الأمريكي من طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلا أنه قد يتعرض لصعوبات في حال تراجع الإنفاق في هذا القطاع. وفي هذا السياق، استعرضت وحدة تقصي الحقائق لدى بي بي سي الأدلة المتوافرة حول صحة مزاعم الرئيس الأمريكي.
1. الاقتصاد الأمريكي ينمو
يشهد الاقتصاد الأمريكي نمواً بوتيرة جيدة وفق المعايير التاريخية الحديثة للبلاد، حيث أظهرت أحدث البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي ينمو حالياً بمعدل سنوي يبلغ 2.2%.
كما سجل الاقتصاد نمواً بنحو 3.2% منذ نهاية عام 2024، أي قبل فترة الولاية الثانية لترامب، وهو نمو يفوق ما حققته أي دولة أخرى ضمن مجموعة دول السبع خلال الفترة نفسها.
ويأتي معدل النمو الأمريكي أسرع مما توقعه صندوق النقد الدولي بعد إعلان ترامب في 2 أبريل 2025 مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية الجديدة على السلع الواردة إلى الولايات المتحدة، علماً أن صندوق النقد خفّض توقعاته آنذاك مستنداً إلى التأثير السلبي للرسوم على الاستثمار وإنفاق المستهلك.
مع ذلك، خفّض ترامب تلك الرسوم إلى حد كبير بعد عدة أشهر، مما حدّ من تأثيرها السلبي المحتمل على الاقتصاد.
كما استفاد الاقتصاد الأمريكي من دعم كبير من شركات التكنولوجيا التي ضخّت استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، ومنها إنشاء مراكز بيانات في أنحاء البلاد، حيث بلغ إنفاق الشركات على بناء مراكز البيانات وحدها خمسة مليارات دولار في أغسطس 2026، ما يقرب من ضعف المستوى المسجل عند عودة ترامب إلى السلطة.
2. تجدد ارتفاع التضخم
رغم اتسام بعض الناخبين الأمريكيين برغبة في معاقبة جو بايدن خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بسبب ارتفاع الأسعار بعد وباء كورونا، بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة حالياً 3.7%.
ويعد هذا المعدل أقل بكثير من الذروة الأخيرة التي بلغت 9% في عهد بايدن عام 2022، لكنه أعلى من مستوى 3% الذي ورثه ترامب عند توليه المنصب في يناير 2025.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن التضخم كان بإمكانه الانخفاض أكثر لولا الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب منذ عودته إلى السلطة، كما أن أثر الحرب مع إيران على أسعار الطاقة العالمية وما صاحبها من اضطرابات في إمدادات النفط والوقود من الشرق الأوسط ساهم في زيادة معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة.
وسجل غالون الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً بلغ 6.52 دولار في سبتمبر الماضي، ويستخدم هذا الوقود قطاعي الزراعة والصناعة على نطاق واسع.
كما ارتفعت أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية مثل لحوم الأبقار والقهوة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، رغم انخفاض أسعار البيض، فيما حذرت بعض شركات التجزئة الأمريكية من أن ارتفاع أسعار الطاقة جراء الحرب مع إيران سيجعل إنتاج الغذاء أكثر تكلفة ويزيد الأسعار في المتاجر.
3. ضعف نمو دخل الأسر
لا تزال دخول الأسر الأمريكية ترتفع في عهد ترامب، حيث ارتفع متوسط الدخل الحقيقي للأسر، بعد احتساب التضخم، بنسبة 2.6% خلال عام 2025 ليبلغ 87,460 دولاراً، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق.
مع ذلك، أشار معهد الضرائب والسياسات الاقتصادية إلى أن العوامل التالية تؤثر سلباً على الأسر الأمريكية:
- التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب.
- انتهاء الدعم الحكومي الإضافي الذي خفّض تكلفة التأمين الصحي لملايين الأمريكيين.
- ارتفاع الأسعار خلال الولاية الثانية لترامب بوتيرة أعلى من التوقعات، بما في ذلك الزيادات المرتبطة بالرسوم الجمركية والحرب مع إيران.
وخلص المعهد إلى أن الأسر ذات الدخل المتوسط، تمثل الخُمس الأوسط للأسر، قد تصبح في عام 2026 أقل ثراءً بمعدل حوالي 1,700 دولار مقارنة بما كانت ستصل إليه دون هذه السياسات، فيما ستخسر الأسر الأفقر نحو 750 دولاراً، بينما يُقدّر أن الشريحة الأغنى، أي أعلى 1% من حيث الدخل، ستكون أفضل حالاً بمعدل 12,560 دولاراً بفضل التخفيضات الضريبية.
ويتقارب هذا التقدير مع نتائج مؤسسة تاكس فاونديشن البحثية بخصوص تأثير الرسوم الجمركية على الأسر بمستويات دخل مختلفة.
4. تباطؤ نمو الوظائف
توقع ترامب أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى توفير ملايين الوظائف داخل الولايات المتحدة عبر دعم إنشاء مصانع جديدة ضمن البلاد لتجنب الضرائب على منتجاتها عند الحدود.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أضيف في المتوسط 34 ألف وظيفة شهرياً، وهو رقم أقل بكثير من متوسط 122 ألف وظيفة شهرياً خلال العام الأخير من رئاسة بايدن.
كما أن عدد العاملين في قطاع التصنيع، الذي يبلغ 12.6 مليون شخص في سبتمبر 2026، أقل قليلاً مما كان عليه في بداية الولاية الثانية لترامب.
ومع ذلك، يظل معدل البطالة منخفضاً نسبياً عند 4.2%، وهو مستوى مشابه لما كان عليه عند عودة ترامب إلى السلطة.
ويُعزى ذلك إلى سياسات ترامب منها تشديد إجراءات الهجرة وبرنامج الترحيل الذي ساهم في تقليص حجم القوى العاملة المتاحة في البلاد، ما يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى خلق عدد أقل من الوظائف شهرياً للحفاظ على معدل البطالة عند هذا المستوى.
5. ارتفاع تكلفة الاقتراض (الفائدة)
ارتفع حجم الاقتراض الحكومي الأمريكي خلال الولاية الثانية لترامب، ويرجع ذلك جزئياً إلى التخفيضات الضريبية الكبيرة التي أقرها ترامب.
وبلغ عجز الموازنة الفيدرالية، أي الفارق بين الإيرادات والإنفاق الحكومي، تريليوني دولار للسنة المنتهية في سبتمبر 2026، بما يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويتوقع أن يرتفع العجز إلى أكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وهو ما يعزز نمو الناتج المحلي الإجمالي لكنه في الوقت نفسه يزيد من مخاطر أزمة مالية مستقبلية بشكل حذّر منها صندوق النقد الدولي، التي قد تؤثر بشكل مدمر على معظم الأسر الأمريكية.
ويُعد اتساع العجز أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة الأمريكية في أسواق المال، حيث شهدت عائدات سندات الخزانة لأجل عشر سنوات ارتفاعاً حاداً منذ عودة ترامب إلى السلطة، ويتجاوز حالياً 5%، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية في 2007.
ويؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في معدلات الفائدة على الرهون العقارية المتاحة للأسر، حيث ارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري الجديد لأجل 30 عاماً إلى 7.4% سنوياً، مقارنةً مع 6.9% عند عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
وقد زاد ذلك من مشاكل سوق الإسكان، إذ تراجعت قدرة المشترين الجدد على تحمل تكاليف المنازل، كما دفع كثيراً من مالكي المنازل الحاليين إلى التردد في الانتقال إلى منازل جديدة، نظراً لتعقيد نقل قروضهم العقارية القديمة ذات الفائدة الأقل إلى عقارات جديدة.





