د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
مصر

الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا تحدد مستقبل العلاقات في شرق المتوسط

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

أثار تصديق مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا احتجاجات واسعة من مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، مستعيدًا النزاع الإقليمي المستمر منذ سنوات حول الحقوق البحرية واستغلال موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

ورفضت مصر الاتفاقية، حيث أصدرت وزارة الخارجية بيانًا في 21 أكتوبر/تشرين الأول وصفت خلاله مذكرة التفاهم بـ”الباطلة بطلانًا مطلقًا”، وجدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض بلاده القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على المذكرة، خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول.

وأوضح عبد العاطي، في تصريحات صحفية على هامش مشاركته في اجتماعات الآلية الرباعية التي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، أن الاتفاقية “معدومة الأثر القانوني”، وأن تصديق مجلس النواب الليبي عليها لا يستتبع أي أثر قانوني بالنسبة لمصر.

وأدانت إسرائيل بدورها التصديق الليبي على الاتفاقية، معتبرة أنها تمس الحقوق السيادية لحلفائها في المنطقة، ووجهت اتهامات لأنقرة بالسعي إلى زعزعة الاستقرار في شرق المتوسط.

وتتجاوز أهمية تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية قضية النزاع البحري فقط، بل تمثل تحولًا في موقف السلطات المتمركزة في شرق ليبيا، والتي كانت قد رفضت الاتفاقية سابقًا ودعت إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التركية-المصرية تحسنًا، وتتكثف فيه جهود دولية وأمريكية من أجل تسوية الأزمة الليبية.

ما هي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا؟

علق عماد الدين حسين، عضو مجلس النواب المصري ورئيس تحرير جريدة الشروق، بأن الاعتراض المصري الرئيسي ينطلق من أن منطقتي شرق المتوسط التي تضم أطرافًا متعددة لا يمكن أن يتم فيها تحديد أو نشل حقوق الدول الأخرى عبر اتفاق ثنائي بين دولتين فقط.

وأضاف حسين أن مصر لا تعترض على حق ليبيا في اتخاذ قراراتها، لكنها تعترض على ما تراه انتهاكًا لمصالحها البحرية، مؤكداً أن القاهرة تطمح إلى ضمان حقوقها كاملة دون الإضرار بالمصالح المصرية.

وتتمسك مصر باتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي أبرمتها مع اليونان عام 2020، والتي تتداخل مطالبها البحرية مع مناط الحكم في مذكرة التفاهم التركية-الليبية.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، جدد الاتحاد الأوروبي رفضه للاتفاقية، معتبرًا أنها تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تتوافق مع قانون البحار، مؤكدًا دعمه للوقوف إلى جانب اليونان وقبرص.

وتربط إسرائيل علاقات وثيقة باليونان وقبرص، اللتين تعارضان المذكرة، كما تشهد توترًا مع تركيا حول قضايا إقليمية، على رأسها الحرب في غزة.

وفي مقابل تلك المعارضة، دافعت تركيا عن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، ورأى الباحث التركي في العلاقات الدولية مهند حافظ أوغلو أن المذكرة تستند إلى أساس قانوني، ودعا إلى ألا تكون الاعتراضات عليها عائقًا أمام تحسن العلاقات المصرية التركية.

واقترح حافظ أوغلو معالجة الخلاف عبر تفاهمات مباشرة بين القاهرة وأنقرة وطرابلس، من خلال مناقشات قانونية وسياسية تهدف إلى صياغة اتفاقية تأخذ في اعتبارها مصالح جميع الأطراف المعنية.

لماذا غيّر شرق ليبيا موقفه؟

تتجاوز أهمية التصديق الليبي على الاتفاقية جانب الضوابط البحرية فحسب، إذ يتجلى البُعد الأهم في الجهة التي صادقت على الاتفاقية هذه المرة.

فعندما أبرمت حكومة الوفاق الوطني الاتفاقية مع تركيا عام 2019، كانت السلطات المتمركزة في شرق ليبيا على خلاف عميق مع طرابلس، وكانت أنقرة تدعم حكومة الوفاق سياسيًا وعسكريًا.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، رفض مجلس النواب الليبي الاتفاقية، وأصدر قرارًا يدعو إلى قطع العلاقات السياسية مع تركيا، في ظل تصاعد الصراع بين المعسكرين الليبيين المتنافسين.

لكن في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، صوّت المجلس بالإجماع على التصديق على مذكرة التفاهم وألغى القرارات السابقة، وهو ما يعكس تغيرًا في العلاقات بين السلطات الشرقية وأنقرة.

ويعزى هذا التغيير جزئيًا إلى تبدل في قيادة مجلس النواب نفسه، حيث انتخب في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا خلفًا لعقيلة صالح الذي كان يُعرف بقربه من مصر، إذ ترأس العبيدي سابقًا لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية.

وفي أبريل/نيسان 2025، قام صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر وقائد القوات البرية سابقًا، بزيارة إلى أنقرة والتقى بقيادات عسكرية تركية، في خطوة مفاجئة بالنظر إلى الدعم التركي سابقًا لحكومة طرابلس ضد قوات حفتر في حرب 2019-2020.

وتواصلت الزيارات والمباحثات في أغسطس/آب من العام ذاته، مع زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين إلى بنغازي حيث التقى قيادات من قوات حفتر، تزامنًا مع رسو فرقاطة تركية في الميناء.

وفي أغسطس/آب 2026، زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كلًا من طرابلس وبنغازي، والتقى بمسؤولين من حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي في طرابلس، وقادة السلطات في الشرق.

وأشار أحمد المهداوي، أستاذ العلوم السياسية، إلى أن التغيرات في العلاقات بين الدول والأطراف السياسية تخضع للمصالح والظروف، وأن تصديق مجلس النواب على الاتفاقية كان قرارًا سياديًا يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية لليبيا.

وأضاف المهداوي أن ليبيا ليست ملزمة بأخذ موافقة مصر أو اليونان عند اتخاذ قراراتها، مستشهدًا بأن مصر وقعت اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع اليونان دون الرجوع إلى ليبيا.

هل يهدد الخلاف التقارب المصري التركي؟

يأتي تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاقية في وقت تشهد فيه العلاقات بين القاهرة وأنقرة تحسنًا بعد سنوات من التوتر، مع توسع الاتصالات السياسية بين البلدين حول عدة قضايا إقليمية، منها ليبيا.

وفي مارس/آذار 2026، عقد البلدان جولة مشاورات جديدة بشأن ليبيا، حيث أكدا ضرورة دعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

لكن الخلاف المتعلق بالحدود البحرية يُعد اختبارًا جديدًا للعلاقة بين مصر وتركيا؛ إذ يمكن أن تتفق الدولتان على ضرورة استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، دون الاتفاق على كيفية توزيع الحقوق البحرية في شرق المتوسط.

وتتوازى هذه الجهود مع مبادرات أمريكية لتوحيد المؤسسات الليبية وإنهاء الانقسام، حيث كثف مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس اتصالاته مع مسؤولين ليبيين وأطراف إقليمية لتدعيم مسار سياسي يوصل إلى وحدة السلطة التنفيذية.

وشهد أبريل/نيسان 2026 توقيع اتفاق على ميزانية موحدة في ليبيا، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين مؤسسات الشرق والغرب.

غير أن تصورًا لتقاسم السلطة بين عائلتي الدبيبة وحفتر، يتضمن بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة، وتولي صدام حفتر منصبًا قياديًا في السلطة التنفيذية الجديدة، لم يعلن عنه رسميًا، ولم يحظ بتأييد شامل، مع اعتراضات من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وأطراف أخرى خشيت من تأبيد سيطرة العائلات والقوى المسلحة على حساب المؤسسات.

في المقابل، أبدت بعض الأطراف في معسكر حفتر دعمها للمبادرة باعتبارها فرصة لتوحيد السلطات التنفيذية، فيما عارض عقيلة صالح الترتيبات التي اعتبرها تتعدى اختصاص مجلس النواب.

وفي سبتمبر/أيلول، شارك مسعد بولس ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوثة الأممية هانا تيته في اجتماع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة دول بينها مصر، لدعم جهود توحيد المؤسسات الليبية وتعزيز التنسيق الاقتصادي والأمني والتمهيد لإجراء الانتخابات.

ويرى الباحث التركي مهند حافظ أوغلو أن الخلاف حول الحدود البحرية يجب ألا يشكل عائقًا أمام استمرار التقارب بين القاهرة وأنقرة، داعيًا إلى معالجته عبر مشاورات مباشرة تشمل مصر وتركيا وليبيا، معتبراً أن اجتماعًا فنيًا وقانونيًا وسياسيًا ثلاثيًا قد يتيح صياغة حلول ترضي الأطراف المعنية.

مع ذلك، أشار حافظ أوغلو إلى أن مصر قد تضطر في نهاية المطاف إلى قبول الاتفاقية بعد إدخال تعديلات، لكنه أكد أن هذا رأي شخصي لا يُمثل اتفاقًا رسميًا بين الحكومات.

من جهته، حذر عماد الدين حسين من اعتبار أن الخلاف يمكن حله بمجرد تحسن العلاقات السياسية، مؤكداً أن القاهرة متمسكة بمطالبها البحرية، وأن أي تفاهم يجب أن يحفظ حقوق مصر كاملة.

وبذلك، قد يوفر التقارب الحالي بين القاهرة وأنقرة قناة للحوار حول الخلاف البحري، لكنه لا يعني بالضرورة قبول مصر للاتفاقية بصيغتها الحالية، أو حل النزاع البحري تلقائيًا نتيجة لتحسن العلاقات السياسية.

لا تزال ليبيا مقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس والمعترف بها دوليًا، وسلطات في الشرق مستندة إلى مجلس النواب والحكومة المكلّفة منه، مع وجود نفوذ عسكري لخليفة حفتر.

وتتوقف محاولات التوصل إلى تسوية شاملة تحدد القواعد الانتخابية وتوحّد المؤسسات التنفيذية والأمنية منذ تأجيل الانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، وسط تقاطعات مصالح قوى إقليمية ودولية تدعم أطرافًا مختلفة أو تسعى إلى التأثير في مسار التسوية.

وفي أغسطس/آب 2026، شهدت مدينة الزاوية في غرب ليبيا سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة بين جماعات مسلحة متنافسة، مما أثار مخاوف من تصاعد المواجهات وتأثيرها على منشآت النفط والبنية التحتية الحيوية.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin