د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أقتصاد

الصين تعزز تواجدها في المغرب وتسعى لتعزيز نفوذها في أوروبا عبر بوابة المملكة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين والمغرب توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، في وقت تسعى فيه الرباط لتعزيز مكانتها ضمن الخارطة التجارية والاستثمارية الدولية وجذب رؤوس أموال أجنبية إلى قطاعات استراتيجية حيوية، غير أن هذا التقارب الاقتصادي مع بكين يثير تساؤلات بشأن تأثيراته على علاقة المغرب بحلفائه الأوروبيين والولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد المنافسة التجارية بين واشنطن وبكين.

مركز ثقل جديد للاستثمارات الصناعية الصينية

ترى الصين في المغرب ليس فقط بوابة للاستثمار والتجارة، بل بوابة استراتيجية نحو أوروبا وإفريقيا، وتدرك أن نجاحها لا يكمن فقط في بناء الموانئ والبنية التحتية، بل في إنشاء قواعد صناعية تندمج بسلاسة مع الاقتصاد العالمي، ولهذا تتركز استثماراتها على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، حيث تجاوزت قيمة المشاريع الصينية المعلنة في منظومة البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية 10 مليارات دولار مع محاور رئيسية في منطقة طنجة تيك ومشروع مصنع Gotion للبطاريات في القنيطرة، ما لا يسهم فقط في خلق فرص العمل بل يدعم نقل التكنولوجيا ويدمج المغرب في صناعات المستقبل.

خمسة عوامل تمنح المغرب الأفضلية

تكمن ميزات المغرب في استقراره السياسي والمؤسسي، واستمراره في الإصلاحات الاقتصادية، وتوفر بنية تحتية متطورة خصوصًا ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح مركزًا لوجستيًا دوليًا هامًا، إلى جانب شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح للمنتجات المغربية الوصول إلى أسواق تحتوي على مئات الملايين من المستهلكين، بالإضافة إلى توفر قوة عاملة مؤهلة وتنافسية مقارنة بالدول المنافسة، مما ساعد البلاد على التحول من اقتصاد يعتمد على الصناعات التقليدية إلى مركز إقليمي متقدم في الصناعات الحديثة.

صعود لافت للصين

رغم أن الصين مستثمر جديد نسبيًا في المغرب مقارنة بالدول التقليدية، إلا أن نموها كان سريعًا، حيث ارتفعت الاستثمارات الصينية من نحو 406 ملايين درهم عام 2015 إلى أكثر من 2.08 مليار درهم في 2024، مقتربة من مستوى ألمانيا التي بلغت استثماراتها حوالي 2.47 مليار درهم، مع العلم أن الأخيرة تملك حضورًا استثماريًا وصناعيًا راسخًا منذ عقود، ويبرز هذا النمو سرعة تمدد الصين في السوق المغربية، فبينما بنت فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة حضورها على مدى سنوات طويلة، ضاقت الصين الفجوة في فترة قصيرة، مما يجعلها من أسرع القوى الاستثمارية صعودًا في المغرب.

نجاح يواجه تحديات كبيرة

أبدى مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش قلقه إزاء احتمالات عمليات إعادة الشحن أو التصدير عبر المغرب، مشيرًا إلى أن بروكسل ستتأكد من الالتزام الصارم بقواعد المنشأ قبل دخول السلع إلى السوق الأوروبية الموحدة، حيث تمنح اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب منتجات ذات منشأ مغربي إعفاءات أو تخفيضات جمركية، ما يسعى المستثمرون الصينيون إلى الاستفادة منه عبر نقل بعض مراحل التصنيع إلى المغرب، وقد تحول المغرب من مجرد حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا إلى منصة لاستقبال رأس المال الصناعي الصيني الذي يهيمن على القرب من السوق الأوروبية وتجنب الحواجز الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الصين، ويتسارع هذا التحول في 2026 بسبب تراجع التجارة بين الولايات المتحدة والصين وارتفاع الرسوم الأوروبية على السيارات الكهربائية والبطاريات الصينية بالإضافة إلى الضغوط التي تمارسها بكين على شركاتها لتنويع أسواق التصدير.

معادلة معقدة

يتسم الموقف المغربي بالتعقيد بين فائدة الاستثمارات الصينية ورغبة الرباط في الحفاظ على علاقات استراتيجية واقتصادية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويطرح سؤال حول قدرة المغرب على الحفاظ على توازن بين هذه الأطراف، وما إذا كان استمرار توسع الاستثمارات الصينية سيعرض المملكة لضغوط من واشنطن وبروكسل، أو مطالبة بضمانات أكبر تتعلق بقواعد المنشأ للمنتجات المتجهة إلى أسواقهما.

قلق أمريكي

تشير دوائر السياسة الأمريكية إلى ما تسميه “Mexicanization” أي احتمال تحول المغرب إلى منصة لإعادة تصدير المكونات الصينية، وهو ما يثير مخاوف واشنطن بشأن طرق دخول المنتجات الصينية للسوق الأمريكية، في ظل الرسوم الجمركية والقيود الأمريكية على الواردات من الصين، ويؤكد الخبير المغربي جهاد ايت سوسان ضرورة أخذ هذه التحذيرات بجدية دون تضخيم، موضحًا أن الرسالة الأمريكية لا ترفض الاستثمار الصيني بحد ذاته، بل تطالب بالتأكد من استيفاء قواعد المنشأ للمنتجات التي تدخل السوق الأمريكية عبر المغرب.

تركز المخاوف على احتمال استخدام دول وموانئ من دول ثالثة لإعادة توجيه السلع الصينية أو إجرء عمليات تصنيع وتجميع عليها داخلها قبل تصديرها للأسواق الأخرى، وهو ما يطرح تساؤلات حول دور المغرب في هذا السياق خاصة مع تطور بنيته التحتية والاهتمام الصيني المتزايد بالاستثمار، ولا تستهدف هذه المخاوف الاستثمارات الصينية مباشرة، لكنها تعكس حساسية واشنطن المتزايدة تجاه توسع بكين اقتصادياً ومنع محاولات الالتفاف على القيود والرسوم، ويعتقد الخبير سوسان أن الموقف الأمريكي مبرر وأن ارتفاع الاستثمارات الصينية قد يخلق توترًا دون أن يؤدي بالضرورة إلى مواجهة مفتوحة، حيث يتركز القلق الأمريكي على احتمالية استخدام المغرب منصة لإعادة توجيه المنتجات الصينية لتجنب الرسوم الجمركية، وهو قلق ازداد وضوحًا في 2026 مع تشديد واشنطن الرقابة على “الترانزيت التجاري”.

دخول الصين إلى أوروبا من باب المغرب

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن مسؤولين ألمان معنيين بالسياسة التجارية في بروكسل أثاروا قضايا مرتبطة بالمغرب، وسط مخاوف من أن يؤدي الالتفاف على الإجراءات التجارية الأوروبية إلى تشويه التنافسية لصالح الشركات الصينية عبر عمليات “إعادة الشحن”، وهو ما وصفه شيفتشوفيتش في تصريحاته للصحيفة، كما أدرجت تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومركز ستيمسون التطورات المغربية ضمن توجه أوسع للشركات الصينية لإقامة قواعد تصنيع خارج الصين، خصوصًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بهدف التكيف مع الرسوم الجمركية والقيود في أسواق التصدير الرئيسية.

يمتاز المغرب عن كثير من هذه الدول بعمق علاقاته التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وقربه الجغرافي منه، وبنية صناعية ولوجستية متطورة، ما يجعله نموذجًا متقدمًا في هذه الاستراتيجية القريبة من أوروبا، ويشير الخبير سوسان إلى أهمية تمييز الاستثمار الصيني في المغرب عن التوجه السياسي، موضحًا أن المملكة لا تنظر للصين كبديل لأمريكا أو أوروبا بل كشريك اقتصادي إضافي يساهم في تسريع التصنيع وتنويع الشراكات.

لاعب اقتصادي إقليمي

قد تشكل مسألة المغرب مقدمة لصراع تجاري معقد في المستقبل، وفي ظل هذا النزاع، لا يكمن النجاح الحقيقي للمغرب في جذب استثمارات صينية أو أوروبية فحسب، بل في قدرتها على توظيف التنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى لخدمة مشروعها التنموي الوطني، وإذا تمكنت الرباط من الحفاظ على هذا التوازن، فإنها لن تكون ساحة للمنافسة فقط، بل لاعبًا اقتصاديًا إقليميًا قادرًا على فرض موقعه ضمن معادلات التجارة والصناعة العالمية.

أوراق المغرب القوية للموازنة

التحدي الرئيسي أمام المغرب لا يكمن في الاختيار بين الصين وأمريكا وأوروبا، بل في تحويل هذه المنافسة إلى فرصة، ويشير الخبير ايت سوسان إلى عمق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة التي تشمل اتفاقية التجارة الحرة، وعلاقات اقتصادية وتجارية قوية مع الاتحاد الأوروبي، وقبول المغرب تقديم نفسه للصين كمنصة صناعية موجهة نحو إفريقيا وأوروبا وليست منصة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، وبالتالي تكمن ورقة المغرب الرابحة في التنويع دون الانحياز، بالتعامل مع الصين اقتصاديًا مع الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية مع واشنطن وبروكسل.

بينما استمرت المملكة في تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة، فتحت أبوابها أمام استثمارات من الصين واليابان ودول الخليج، ما أسهم في خلق بيئة تنافسية للمستثمرين مع تقليل الاعتماد على شريك اقتصادي واحد، ويضيف أيت سوسان أن مزايا المغرب تشمل موقعه الجغرافي، الاستقرار، البنية التحتية، الموانئ، المنظومة الصناعية، الطاقات المتجددة، والقدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية، وهي عوامل تمنحه الأفضلية في المنطقة.

يرى الخبير أن استقبال الاستثمار الصيني بهذا الحجم من شأنه توفير التمويل والتكنولوجيا والخبرة الصناعية وفرص العمل، ومساعدة المغرب على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج مكونات ذات قيمة مضافة عالية، ما يخدم أجندات ومصالح المملكة الاقتصادية، شرط تعزيز الشفافية واحترام قواعد المنشأ وإثبات وجود قيمة مضافة وإنتاج حقيقي داخل المغرب وليس مجرد إعادة تصدير.

إذا نجح المغرب في تحقيق هذا التوازن، فإنه سيصبح ليس فقط ساحة صراع بين القوى الكبرى، بل جسرًا اقتصاديًا يربط بينها، وهو الموقع الذي يمكن للمغرب من خلاله تحقيق أكبر استفادة.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin