د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

تجربة الطاعة العمياء تكشف عن تأثيرها النفسي والاجتماعي وفق دراسات علمية

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تكشف الطريقة الحديثة لإعادة “تجربة ميلغرام”، إحدى أبرز تجارب علم النفس الاجتماعي إثارة في التاريخ، عن العوامل التي تدفع الأشخاص العاديين إلى الطاعة وتنفيذ أوامر تتنافى مع القيم الأخلاقية، كما تسلط الضوء على الوسائل التي تمكن الأفراد من مقاومة هذه الطاعة.

في يونيو/حزيران 1961، نُشر إعلان في صحيفة “نيو هيفن ريجستر” في ولاية كونيتيكت الأمريكية، يدعو فيه إلى المشاركة في تجربة تبدو بريئة في جامعة ييل، تحت عنوان “سندفع لكم 4 دولارات مقابل ساعة واحدة من وقتكم، نحتاج إلى أشخاص للمشاركة في دراسة عن الذاكرة”

حدد الإعلان فئات مختلفة مثل عمال المصانع والحلاقين ورجال الأعمال وغيرهم، دون اشتراط أي تعليم أو خبرة خاصة، وطلب من الراغبين إرسال بياناتهم إلى ستانلي ميلغرام، الأستاذ في قسم علم النفس بجامعة ييل.

شارك 40 رجلاً في التجربة الأولية التي أُجريت في مختبر، حيث طُلب منهم استناداً إلى مهمة مزعومة تتعلق بتعلّم الكلمات، توجيه صدمات كهربائية لشخص آخر، بلغت شدتها مستوى قد يؤدي إلى الوفاة.

وانتهى الأمر بموافقة 65 في المئة من المشاركين، أي 26 رجلاً من أصل 40، على توجيه الصدمة القصوى، وأظهرت دراسات لاحقة بمشاركة متطوعين جدد ارتياح معظمهم لتنفيذ الأوامر، حتى في حال إبلاغهم، كخدعة، أن المتلقي يعاني من مرض في القلب أو سماع توسلاته للإفراج عنه.

لم يكن المشاركون يدركون أن الصدمات كهربائية زائفة، وأن التجربة برمتها مزيفة، وأن الدراسة لا تهدف فعلياً إلى اختبار الذاكرة بل لقياس مستوى الطاعة والقسوة، مما جعلها مثالاً بارزاً على استعداد أفراد عاديين لارتكاب أفعال وحشية تحت تأثير أوامر موثوقة في بيئة مختبرية.

منذ ذلك الحين، استخدم الباحثون نسخاً معدلة واعتدالاً من تجربة ميلغرام لفهم طبيعة الطاعة للأوامر غير الأخلاقية وظروف حدوثها، حيث لم تقتصر النتائج على إبراز أسوأ جوانب السلوك البشري فحسب، بل كشفت أيضاً عن عوامل تساعد في مقاومة الطاعة.

“كنا في حالة ذهول شديد”

يصعب تصور أن ينال أحدهم على إيذاء إنسان آخر بشدة كبيرة، ويعتقد معظم الناس أنهم لن يفعلوا ذلك، وأنهم حين يواجهون تجربة مثل تجربة ميلغرام، سيقاومون الانصياع للأوامر، حتى أن علماء النفس يجدون وقوع هذا الفعل صادماً أمام أعينهم.

يقول جيري برغر، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة سانتا كلارا بكاليفورنيا: “كان الأمر مذهلاً إلى درجة أدهشتنا، رأينا أفراداً طبيعيين وسعداء يضغطون على الأزرار دون اعتراض”.

في 2009، أعاد برغر إجراء نسخة معدلة من تجربة ميلغرام، أوقف فيها المشاركة قبل الوصول إلى أعلى مستويات الصدمات، وظن أن النتائج ستكون مشابهة لتجارب ميلغرام الأصلية، لكنه تفاجأ من تمسك 70 في المئة من المشاركين بالامتثال للأوامر حتى النهاية دون فروق جوهرية بين الرجال والنساء.

أما توماش غرزيب، أستاذ علم النفس في بولندا، الذي أجرى نسخة من التجربة عام 2015 باستخدام صدمات شديدة لكنها أقل من أصلية ميلغرام، فقد وجد أن 90 في المئة من المشاركين امتثلوا للأوامر حتى النهاية دون فروق ذات دلالة بين الجنسين.

عقب انتهاء التجربة، تحدث علماء النفس مع المشاركين للاطمئنان على حالتهم النفسية، حيث أظهرت إحدى المشاركات تأثراً عاطفياً عميقاً عندما أدركت، دموعها تنهمر، أن ما حدث يُظهر كيف أنها قد تميل إلى تنفيذ ما يُطلب منها في الواقع، مما يعكس آلية الطاعة في حياتها.

يتساءل الباحثون: ما الذي يفسر هذا المستوى الكبير من الطاعة مع وجود تعارض داخلي مع القيم الأخلاقية؟

“عدم الطاعة يجهد الدماغ”

تدرس إيميلي كاسبار، أستاذة علم النفس التجريبي في جامعة غنت البلجيكية، تأثير الطاعة على نشاط الدماغ باستخدام صدمات كهربائية حقيقية منخفضة الشدة موجهة لمتطوعين آخرين، وتستخدم تقنيات كالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لرصد العمليات الدماغية أثناء الامتثال للأوامر ومقارنته بحالات التصرف الإرادي.

توضح كاسبار أن الصدمات المستخدمة حقيقية ومؤلمة ولكن بحدود محتملة لتحمّل المتلقي، بخلاف تجربة ميلغرام التي اعتمدت على صدمات وهمية.

وجدت الدراسة اختلافاً في نشاط دماغي ملحوظ؛ إذ ينخفض نشاط مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف والشعور بالذنب والإحساس بالمسؤولية عند تنفيذ الأوامر، ويصبح الألم المنسوب للصدمات أقل حدّة من قبل المطيعين، ما قد يبرز كيف تُسهّل الطاعة تجاوز الحدود الأخلاقية لإلحاق الأذى بالآخرين.

تقول كاسبار إن الطاعة تعتبر أكثر يسراً وأقل استهلاكاً للطاقة الذهنية مقارنة بالعصيان، وهو ما يرتبط بعدم تفعيل مشاعر التعاطف والذنب وتحمل المسؤولية التي تتطلب طاقة ذهنية.

وجدت الدراسة أن 97.4 في المئة من المتطوعين في تجاربها أطيعوا الأوامر، ولم يرفض سوى 21 من بينهم توجيه الصدمات الكهربائية، مع توثيق مشاركة أحدهم في الطاعة الكاملة رغم رفضه توجيه الصدمات في حالة الاختيار الحر.

وحول اعتقاد الباحثين بأن السمات الشخصية مثل التعاطف قد تقي من الطاعة، تشير النتائج إلى أن الشخصية والمزاج ليسا معايير موثوقة لتنبؤ السلوك، إذ قد يؤثر التعاطف دُون قصد مع مطلقي الأوامر الذين لا يرغب المتطوعون بخيبتهم.

إدراك القوى الاجتماعية والبيئية التي تؤثر على قراراتنا يعد وسيلة لمساعدتنا على اتخاذ خيارات أخلاقية أفضل، لا سيما خارج المختبرات وفي الحياة اليومية.

“من يتحمّل المسؤولية إذا رُفعت علينا دعوى قضائية؟”

يبرز جيري برغر أربع خصائص محددة في تجربة ميلغرام ساعدت في تفسير استسلام غالبية المشاركين للأوامر، ومنها التصميم المبتكر للتجربة وتنفيذها، حيث استقبل القائم على التجربة المتطوع في المختبر، وكان يرتدي معطف المختبر، وكان مساعداً يتقمص هذا الدور، وكانت القرعة معدة مسبقاً لتعيين المتطوع دور “المعلّم” في مهمة اختبار الذاكرة، فيما يجلس “المتعلم” في غرفة منفصلة ويبدو مرتبطاً بجهاز الصدمات.

كان على “المعلم” توجيه صدمة كهربائية للمتعلم عند كل إجابة خاطئة بواسطة الضغط على مجموعة أزرار.

في التجربة الأصلية وأخرى لاحقة، تحمّل القائم على التجربة المسؤولية الكاملة عن ما قد يحدث للمتلقي، وهو ما يؤكد برغر أنه عامل حاسم، إذ أن إخبار الأفراد بأنهم ليسوا مسؤولين شخصياً عن التصرفات يدفعهم للانخراط في سلوكيات سيئة.

يستذكر برغر حادثة في تجربته حين سألت مشاركة القائم على التجربة إذا ما كانت ستُرفع أي دعوى قضائية، فأجابها بأنه يتحمّل المسؤولية، فصرحت بأنها حاجتها إلى سماع ذلك بالذات قبل أن تضغط على الأزرار.

تشير دراسات مستقلة إلى أن إخفاء الهوية يشجع على السلوك العدواني على الإنترنت، حيث يتيح للناس قول وفعل أشياء مروعة دون تحمّل عواقب مباشرة، وفقاً لمراجعات بحثية صدرت في 2023 و2026.

أظهرت تجارب ميلغرام أن المشاركين الذين امتثلوا للأوامر كانوا يميلون إلى تحميل المسؤولية للقائم على التجربة، في حين أن الرافضين للطاعة أقروا بمسؤوليتهم الشخصية.

كما كشفت التجربة أنه عند وجود المتلقي في الغرفة ذاتها مع المتطوع، انخفضت نسبة الطاعة إلى 40 في المئة فقط.

“هل أنا من الأشخاص الذين يفعلون ذلك؟”

يشير جيري برغر إلى عاملين مهمين: أولاً، أن التجربة وضعت المشاركين في وضع غير مألوف لهم، وثانياً، أنهم لم يُمنحوا وقتاً كافياً للتفكير، إذ كان القائم على التجربة يحثهم على الاستمرار بعبارات مثل “ليس لديك خيار آخر، عليك أن تواصل”.

يوضح برغر أن الأفراد في مواقف غير مألوفة يميلون للاسترشاد بشخص مُتمكن في البيئة لاتخاذ القرارات، وفي تجربة ميلغرام كان القائم على التجربة هو الشخص الوحيد، مما جعل من الصعب تكوين قرار مستقل.

ويقول برغر إنه لو أُعطي المشاركون وقتاً للتفكير، مثل عشر دقائق، لارتفعت نسبة الرافضين للطاعة بشكل ملحوظ، إذ كان بإمكانهم عندها التساؤل حول صحة وأخلاقية الأوامر، ومدى انطباقها عليهم.

كما يشير إلى تأثير “التدرج في الإقناع”، حيث تؤدي الموافقة على طلب بسيط إلى زيادة احتمال الموافقة على طلبات أكبر تدريجياً.

يقترح برغر مواجهة هذه التأثيرات في الحياة اليومية عبر التأمل المسبق في كيفية التعامل مع المواقف المحتملة وإعطاء النفس وقتاً للتفكير عند مواجهة وضع غير مألوف.

يرى غرزيب أن بناء عادات ذهنية نفعية، مثل تحقيق مسافة نفسية عن السلطة، والتشكيك بشرعية التعليمات، ومنح الذات الحق في التوقف، يعزز مقاومة الطاعة غير الأخلاقية.

ويؤكد أنه من الضروري تطوير أنظمةً تجعل إساءة استخدام السلطة أكثر صعوبة، محذراً من خطورة منح فرد واحد سلطة غير مراقبة على آخر، التي من المحتمل أن تؤدي إلى إساءة في النهاية.

“يمكننا دائماً اختيار بديل آخر”

توضح الدراسات وجود مصدر قوي للشجاعة الأخلاقية في مراقبة الآخرين وهم يتصرفون على أساس مبادئ أخلاقية سليمة.

في 1994، أجرت كاسبار دراسات على أشخاص ارتكبوا جرائم وأشخاص لم يتدخلوا وشهود أقدموا على إنقاذ آخرين، واستنتجت أن وجود نماذج يُحتذى بها في الطفولة المبكرة يعد عاملاً أساسياً يميز المنقذين عن مرتكبي الإبادة الجماعية.

تضيف أن هؤلاء المنقذين ربما شاهدوا أفراداً من عائلاتهم يقدمون المساعدة للآخرين، وأن الامتناع عن تنفيذ أوامر غير أخلاقية أو المبادرة لمساعدة المحتاجين خلال إبادة جماعية حقيقية تثبت أن مقاومة الطاعة ممكنة.

وتقول: “المنقذون يذكروننا دوماً بأن لدينا القدرة على اختيار بديل آخر”.

وأظهرت تجربة ميلغرام الأصلية حالات من المقاومة؛ إذ رفض أحد المتطوعين الاستمرار قائلاً: “لا، هذا ليس صواباً، هي تجربة مروعة، الرجل هناك يعاني، لا أريد مواصلة”، في حين رفض مشارك آخر الطاعة بحزم رغم ضغط القائم على التجربة، قائلاً: “ربما لو كنا في روسيا، لكننا في أمريكا”.

كما شرح جو ديمو، أحد الرافضين، في مقال عام 2016، أن نشأته في أسرة تميزت بالتشكيك في السلطة ونشاطه السياسي ساعداه في مقاومة الطاعة، مؤكداً أنه لم يكن ليبهره مجرد معطف مختبر أبيض.

تكشف أبحاث كاسبار كذلك أهمية المراحل المفصلية السابقة التي تتيح اتخاذ قرارات أخلاقية تسبق اللحظة التي تبدو فيها الطاعة الخيار الوحيد الممكن، وهو ما عالج ثغرة في دراسة ميلغرام الأصلية.

فميلغرام رأى أن نتائج تجربته قد تفسر كيف قيام أشخاص عاديين بارتكاب فظائع مثل المحرقة النازية، لكن الكثيرين لفتوا إلى أن الطاعة العمياء وحدها لا تشرح تعقيدات الإبادة الجماعية التي شهدت اضطهاد أوسع وممارسات قاسية جشعة دون أوامر مباشرة.

توضح كاسبار أن الإبادة غالباً ما تُوصف بمرحلتين متتاليتين تشمل التمييز والتصنيف ونزع الصفة الإنسانية عن فئة من الناس، مع تصاعد تدريجي للوضع، حيث تظهر الطاعة بشكل أوسع خلال المرحلة الأخيرة، وهي الإبادة ذاتها، التي تكون إشارة تحفيزية تتيح تنفيذ القتل.

تشدد كاسبار على أهمية الامتناع عن وصف مجموعة بشرية بأنها شريرة بطبيعتها، وتعزيز الإيمان بالإنسانية المشتركة، كوسائل للوقاية من الاضطهاد في مراحله المبكرة.

وقد لخص أحد المشاركين الرافضين للطاعة تجربته بقوله: “آسف، لا أستطيع أن أفعل ذلك بإنسان”، ثم توقف عن المشاركة في التجربة.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin