تحول احتجاجات جيل زد إلى ظاهرة دولية تهز استقرار الحكومات وتشعل حركة التغيير

بدأت احتجاجات جيل زد في عدة دول بمطالب محددة مثل حظر مواقع التواصل الاجتماعي في نيبال، وانقطاع المياه والكهرباء في مدغشقر، وتسريب أسئلة امتحانات في الهند، لكنها توسعت لتشمل في بعض البلدان دعوات لاستقالة مسؤولين أو رحيل حكومات.
شهدت دول عدة من فرنسا إلى المغرب وألبانيا وإسبانيا مظاهرات شبابية رفع فيها المحتجون مطالب متعلقة بالتعليم وفرص العمل والسكن والخدمات العامة، وتطورت هذه الاحتجاجات في بعض الحالات لتشمل عددًا أكبر من الفئات ومطالب سياسية واجتماعية.
خلال العامين الماضيين، أدت احتجاجات قادها شباب إلى سقوط حكومات في نيبال وبنغلاديش، بينما أجبرت تحركات أخرى السلطات على تقديم تنازلات والتعهد بإصلاحات.
ويشير مصطلح “جيل زد” إلى المولودين بين عامي 1997 و2012 وفقًا لتعريفات متباينة بين المصادر، وهؤلاء يقفون في طليعة هذه الاحتجاجات.
كيف بدأت الاحتجاجات
في نيبال، اندلعت احتجاجات واسعة في سبتمبر/أيلول 2025 بعد قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي بحجة عدم استيفاء متطلبات التسجيل المحلية، وسمّي المحتجون تحركاتهم بـ”مظاهرات جيل زد”.
لم تقتصر مطالب المحتجين على رفع الحظر بل شملت رفض الفساد وانتقادات لضعف فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وسقط قتلى في مواجهات مع قوات الأمن قبل أن تتراجع الحكومة عن الحظر ويستقيل رئيس الوزراء كيه بي شارما أولي في 9 سبتمبر/أيلول.
وتولت سوشيلا كاركي، رئيسة المحكمة العليا السابقة، قيادة حكومة انتقالية في 12 سبتمبر/أيلول، لتصبح أول امرأة في منصب رئيس الوزراء في البلاد.
بدأت الاحتجاجات في مدغشقر في 25 سبتمبر/أيلول 2025 احتجاجًا على الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، وتوسعت لتشمل مكافحة الفساد والمطالبة برحيل الرئيس أندريه راجولينا.
حاول راجولينا الرد بإقالة الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد، لكن الأزمة تفاقمت بعد انضمام وحدات عسكرية إلى المحتجين ومغادرة راجولينا البلاد، وصوّت البرلمان على عزله، ثم أعلن الكولونيل مايكل راندريانيرينا سيطرة الجيش على السلطة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
في فرنسا، شرعت الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول 2026 بين طلاب المدارس الثانوية الذين اشتكوا من نقص المعلمين واكتظاظ الصفوف وتدهور مرافق المدارس، ثم توسعت المظاهرات لاحقًا لتشمل نقابات عمالية وفئات أخرى، مع مطالب ترتبط بارتفاع تكاليف المعيشة والإنفاق على الخدمات العامة.
وشارك نحو 550 ألف شخص في مظاهرات في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وفق تقديرات وزارة الداخلية، بينما قدّر الاتحاد العام للعمل عدد المشاركين بنحو 800 ألف، وشهدت مدن كبرى أعمال عنف بين المتظاهرين والشرطة مصحوبة بأعمال نهب وإشعال حرائق.
تم توقيف نحو 2,400 شخص خلال اضطرابات عطلة نهاية الأسبوع في 19 أكتوبر/تشرين الأول، وأدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف ودعا إلى الحوار، فيما طلبت الحكومة فرض حظر تجول محدود في مناطق الاضطرابات.
في ألبانيا، انطلقت احتجاجات طلابية في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بسبب ضعف فرص العمل وتدهور التعليم واتهامات بالفساد، وتوسعت لتطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، وانضم إليها مشاركون في احتجاجات سابقة ضد مشروع سياحي مدعوم من صهر الرئيس الأمريكي سابقًا.
شهدت العاصمة تيرانا مواجهات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين شملت تخريبًا وإحراق مبانٍ حكومية ومصارف، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي، وكانت السلطات قد أعلنت القبض على أكثر من ألف شخص واتخاذ إجراءات جنائية بحق 388 منهم، إلى جانب تحقيقات تأديبية بحق عناصر شرطة.
ورفض راما الاستقالة واعتبر أن حكومته تحترم حق الطلاب في الاحتجاج، لكنه حذر من تأثير الاضطرابات على مساعي انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي.
في الهند، اندلعت احتجاجات شبابية عام 2026 بسبب تسريب أسئلة امتحانات القبول في كليات الطب، مطالبين بمحاسبة المسؤولين وإصلاح نظام الامتحانات، وقاد جزء من هذه الاحتجاجات حركة شبابية ساخرة اسمها “حزب شعب الصراصير”.
استقال وزير التعليم دارمندرا برادان في 25 يوليو/تموز بعد أسابيع من الاحتجاجات، وأعلنت الحكومة إجراءات لإصلاح نظام الامتحانات وتشديد العقوبات على المتورطين، لكنها شهدت احتجاجات جديدة في أكتوبر/تشرين الأول ضد مراجعة قوائم الناخبين التي حذف فيها نحو 130 مليون اسم، مع مطالب باستقالة رئيس لجنة الانتخابات.
وصفت الحركة وأحزاب معارضة الإجراءات بأنها قد تحرم ناخبين مؤهلين من التصويت وتصب في مصلحة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، في حين نفت لجنة الانتخابات والحزب الحاكم ذلك مؤكدين أن الأسماء المحذوفة تشمل متوفين وأشخاصاً انتقلوا أو تعذر التحقق منهم، مع إمكانية إعادة التسجيل لمن حُذفوا خطأً.
في 19 أكتوبر/تشرين الأول، مددت محكمة هندية احتجاز اثنين من قياديي الحركة ليومين إضافيين على خلفية احتجاجات المطالبة باستقالة رئيس لجنة الانتخابات.
في المغرب، خرج شباب إلى الشوارع في سبتمبر/أيلول 2025 استجابة لدعوات أطلقتها حركة “جيل زد 212” عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، وازداد الغضب بعد وفاة ثماني نساء في مستشفى بمدينة أغادير خلال أقل من شهر.
امتدت الاحتجاجات إلى مدن عدة، ووقعت مواجهات وأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص برصاص الأمن واعتقال مئات، وفق السلطات التي أكدت أن إطلاق النار كان خلال محاولة اقتحام مقر أمني، بينما رفضت “جيل زد 212” أعمال العنف والنهب، وأعلنت الحكومة استعدادها للحوار مع الشباب.
في إسبانيا، احتج عشرات الآلاف في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026 على أزمة السكن وارتفاع إيجارات المنازل بعد رفض البرلمان إجراءات حكومية للحد من عمليات الإخلاء وتخفيف الضغوط على المستأجرين، وشارك نحو 70 ألفًا في مظاهرة بالعاصمة مدريد، مع احتجاجات في نحو 50 مدينة أخرى.
أثارت القضية جدلاً بعد إخلاء ماري كارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 سنة، من منزلها الذي عاشته فيه أكثر من سبعة عقود، وتوصلت إلى اتفاق للعودة إليه لكنها توفيت في السابع من أكتوبر بعد دخولها المستشفى دون إعلان سبب الوفاة.
وطالب المحتجون بتوفير مساكن بأسعار مناسبة والحد من ارتفاع الإيجارات وتعزيز حماية المستأجرين، بينما دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في 5 أكتوبر إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني بعد رفض البرلمان مقترحات حكومته.
كيف ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار الاحتجاجات
استخدم منظمو العديد من هذه الاحتجاجات منصات التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى المظاهرات وتنسيقها، خاصة في الحركات غير المرتبطة بأحزاب أو تنظيمات سياسية تقليدية.
في المغرب، اعتمدت حركة “جيل زد 212” على تطبيقات تيك توك وإنستغرام وديسكورد للتواصل، حيث ارتفع عدد أعضاء إحدى مجموعاتها على ديسكورد من نحو ثلاثة آلاف إلى 188 ألفًا في أسبوع واحد حسب تقرير رويترز في أكتوبر 2025.
في نيبال، لجأ الناشطون إلى تيك توك وفايبر، واستخدم بعضهم وسائل لتجاوز الحظر الحكومي على منصات التواصل الاجتماعي.
ولم تقتصر دور هذه المنصات على التنظيم المحلي، إذ استلهمت بعض الحركات تجارب احتجاجية في دول أخرى، كما تبنّت رموزًا مشتركة بينها علم القراصنة المستوحى من مسلسل الرسوم المتحركة الياباني “ون بيس” الذي رفعه متظاهرون في مدغشقر ودول أخرى.
وعلى الرغم من أوجه التشابه في التنظيم والرموز، تظهر التقارير المتاحة أن هذه الاحتجاجات نشأت في ظروف محلية مختلفة وليست جزءًا من تنظيم سياسي دولي موحد.
ماذا تغير بعد الاحتجاجات
لم تتوقف نتائج بعض الاحتجاجات عند استقالة مسؤولين أو تغير حكومات، بل شهدت بلدان انتخابات وتشكيل حكومات جديدة، كما أعلنت حكومات أخرى إجراءات لمعالجة بعض مطالب المحتجين.
في نيبال، أُجريت انتخابات برلمانية في 5 مارس/آذار 2026 بعد ستة أشهر من الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط حكومة كيه بي شارما أولي، وفاز حزب راستريا سواتانترا بـ182 مقعدًا من أصل 275، وتولى باليندرا شاه، مغني الراب السابق ورئيس بلدية كاتماندو السابق، رئاسة الحكومة عن عمر 35 عامًا في 27 مارس/آذار.
واجهت الحكومة الجديدة مطالب توظيف ومتابعة توصيات لجنة حققت في مقتل 76 شخصًا خلال احتجاجات سبتمبر 2025، تشمل ملاحقة مسؤولين عن التعامل الأمني مع المظاهرات.
في بنغلاديش، التي أطاحت احتجاجات طلابية برئيسة وزرائها الشيخة حسينة في أغسطس 2024، حصل حزب المواطن الوطني، الذي أسسه ناشطون من الاحتجاجات، على ستة مقاعد من أصل 300 في انتخابات فبراير 2026، بينما حقق حزب بنغلاديش القومي فوزًا كبيرًا.
في مدغشقر، لم ينتقل الحكم إلى حكومة مدنية بالانتخاب بعد رحيل الرئيس راجولينا، بل تولى الجيش السلطة معلنًا فترة انتقالية قد تستمر عامين قبل الانتخابات، وفي 9 مارس 2026 أقال الرئيس العسكري مايكل راندريانيرينا رئيس الوزراء والحكومة دون الإعلان عن أسباب.
عبّر ناشطون عن مخاوفهم من دور الجيش في المرحلة الانتقالية وطالبوا بمشاركة الشباب في القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد.
في المغرب، أعلن القصر الملكي في أكتوبر 2025 تخصيص 140 مليار درهم (نحو 15 مليار دولار) لقطاعي الصحة والتعليم في موازنة 2026، بزيادة 16% عن عام 2025، كما تبنت الحكومة قوانين لتشجيع المشاركة السياسية للشباب تشمل تسهيل ترشح من يقل عمرهم عن 35 سنة ودعم مالي يغطي 75% من تكاليف الحملات الانتخابية.
شهد المغرب انتخابات برلمانية في سبتمبر 2026، تبعتها حكومة جديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى هذا المنصب، وسط مطالب بتحسين التعليم والرعاية الصحية وتوفير فرص العمل التي أثارها المحتجون في العام السابق.
في الهند، تزامنت استقالة وزير التعليم مع إجراءات حكومية شملت تشكيل فريق عمل لمراجعة نظام الامتحانات وتشديد العقوبات على المتورطين في التسريب.
وفي فرنسا، تعهدت الحكومة بإرسال نحو 3000 معلم مؤهل لسد نقص المعلمين في المدارس، مع استمرار الاحتجاجات التي تتناول ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة.
في إسبانيا، أدت أزمة السكن والخلافات السياسية إلى الدعوة لانتخابات عامة مبكرة مقررة في 29 نوفمبر 2026.





