د. محمد حسين
رئيس التحرير د. محمد حسين
أخبار دولية

احتجاجات فرنسا تثير انقساماً في الرأي العام واتهامات بالعنف بين الأطراف المختلفة

•
•
1 دقائق قراءة
مشاركة:
حجم الخط:

تسببت احتجاجات يوم السبت في فرنسا في موجة من العنف والتدمير أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد، حيث اتهم رئيس الوزراء الفرنسي مجموعات من اليسار المتطرف بالتخطيط لأعمال الشغب التي شهدتها الشوارع.

في وسط باريس، تحدثت إليزابيت أمام واجهات متاجر محطمة، حيث لا تزال شظايا الزجاج متناثرة على طرقات شارع “باريزيان”، وكانت عبارات حمراء تسيء للشرطة مكتوبة على الجدران، مؤرخة بيوم 17 أكتوبر/تشرين الأول، وهو يوم وقوع أعمال الشغب.

أعربت إليزابيت وصديقتها عن مشاعر مختلطة حيال الأحداث، حيث وصفت الأولى ما حدث بأنه لا يمثل حرباً أهلية، بل يتعلق بأمر مختلف، لكنها لم تكن متأكدة من أسباب اندلاع العنف في تلك المرحلة، خاصة بعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية.

تباينت الآراء داخل فرنسا وخارجها حول خلفيات هذه الأحداث، وطُرحت دعوات خاصة من رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية، يائيل براون-بيفيه، لفتح تحقيق برلماني بشأن أعمال العنف والتخطيط لها.

وأبلغت أجهزة الاستخبارات الفرنسية الحكومة بأن جماعات فوضوية يسارية شاركت في الاحتجاجات الطلابية، مع وجود رمز حرف (A) كبير داخل دائرة سوداء ظهر على العديد من المباني خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وبث الإعلام الفرنسي مقاطع فيديو تظهر شباناً يلبسون ملابس سوداء ويغطون وجوههم بمنديل أسود، وهم يهاجمون عربات الشرطة باستخدام أدوات شبيهة بالمطارق أو السواطير.

كما نشر تقرير استخباراتي بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول وصف ما حدث بأنه “تضليل” المظاهرات الطلابية من قبل اتحادات وحركات سياسية متحالفة مع اليسار الراديكالي، مشيراً إلى أن حركة “فرنسا الأبية” اليسارية المتشددة تعتمد العنف كاستراتيجية انتخابية استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة.

تشير التقارير الفرنسية إلى أن عمليات النهب التي طالت أكثر من ثلاثة آلاف متجر ومنشأة في يوم السبت، كانت في الغالب انتهازية، حيث عرض بعض النهب للبيع عبر الإنترنت دون إخفاء هوية الفاعلين، ما دفع منصات البيع الإلكتروني إلى التعاون مع السلطات لتتبع الجناة، فيما تعمل الشرطة على فحص تسجيلات كاميرات المراقبة ومقاطع وسائل التواصل.

ورداً على ما أثير من مزاعم حول تحريض البعض على العنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعا رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال إلى فرض إغلاقات انتقائية على هذه المنصات لاحتواء التصعيد.

واتسعت الاحتجاجات لتشمل بلجيكا أيضاً، حيث حذر وزير الداخلية برنار كوينتان من تحويل العنف إلى ظاهرة متداولة عبر “تيك توك”، محملاً مجموعات معروفة من اليسار المتشدد مسؤولية أعمال العنف في بروكسل ولياج.

وفي فرنسا، اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ووزير الداخليه لوران نونيز اليسار المتشدد بكونه المسؤول المباشر عن الفوضى، حيث وصف نونيز تحركاتهم بأنها “تصب الزيت على النار”، فيما تحدث لوكورنو عن “انتفاضات” خططت لها “مجموعات صغيرة من أقصى اليسار واليسار المتطرف”.

وفي المقابل، نفى جان لوك ميلانشون، زعيم حركة “فرنسا الأبية”، هذه الاتهامات، مؤكداً مشاركته في الاحتجاجات السلمية التي تهدف إلى تحسين التعليم الحكومي.

ماذا يقول الطلاب

قالت ليزا كوردا، من اتحاد الطلاب “أف أس إي” في ضاحية سان دوني شمال باريس، إن الطلاب نظموا أنفسهم للمشاركة في الاحتجاجات عبر تطبيقات المراسلة ومنظمات طلابية، مشددة على أن من “المهين” الإيحاء بأنهم يتعرضون للتضليل أو يتم التحكم بهم سياسياً، مؤكدة أن غضب الطلاب ينبع من الشارع مباشرة.

وأعربت لينا، وهي شابة تبلغ من العمر 25 عاماً، عن إحباطها من توجه السياسيين إلى البحث عن “كبش فداء” بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لما حدث يوم السبت، وقالت إن الناس يشعرون بالخوف والتخلي.

وقد تحول التوتر في الشوارع بشكل سريع إلى ساحة سياسية تتسم بالمنافسة في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ستة أشهر، إذ اتهم ميلانشون رئيس الوزراء الوسطي بأنه مسؤول عن الفوضى إما بسبب “عدم الكفاءة أو استراتيجية متعمدة”، موضحاً أنه يعتقد أن لوكورنو سمح بتطور العنف ليظهر كحزب النظام ويغطي على إخفاقاته في إدارة الشؤون المالية.

في سياق متصل، طالب الرئيس إيمانويل ماكرون بتفسيرات حول الإخفاقات الاستخباراتية وأقر وزير الداخلية بعدم وجود عدد كافٍ من رجال الشرطة أثناء أحداث يوم السبت رغم إعلانها مسبقاً، وكانت الشرطة تواجه صعوبات في السيطرة على الوضع الذي فاق توقعاتها.

ويبدو أن مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، هي الأكثر استفادة سياسياً من أحداث السبت، حيث تصدرت استطلاعات الرأي بفارق كبير، وقد وجهت كلمة إلى الأمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأسلوب رئاسي منتقدة رئيس الوزراء جان لوك ميلانشون ومرشحي اليسار المتشدد، ومُحمّلة حكومة ماكرون مسؤولية ما وصفته بفشلها واستنفاد طاقتها، ومعتبرة فرنسا أسيرة بين العنف والعجز.

ويعتمد حزب لوبان على خطاب يركز على فرض القانون والنظام وإغلاق الحدود، مع تحميل المهاجرين نصيباً من مسؤولية الفوضى، وهو ما تنفيه السلطات الفرنسية، التي لم تجد دليلاً على ضلوع المهاجرين في أعمال العنف.

من جانب آخر، اعتبرت معلمة تدعى مار أن العنف في يوم السبت يخدم أهداف السياسيين ويصرف الانتباه عن احتجاجات مطالبة بتحسين الخدمات العامة، موضحة أن السياسيين لا يصغون إلى مطالب الطلاب والمعلمين ولا إلى الشعب الفرنسي، ويستخدمون العنف لمآرب انتخابية وتشويه خصومهم.

احتقان شعبي من الطبقة السياسية

يقول عدد متزايد من الفرنسيين، خصوصاً من جيل زد، إن ثقتهم في النظام السياسي تتراجع، مع تكرار ظاهرة مماثلة في دول أوروبية أخرى تشهد احتجاجات يقودها غالباً الشباب، كما حدث في إيطاليا والبرتغال وألبانيا إلى جانب فرنسا وبلجيكا.

وغالباً ما تندلع هذه الاحتجاجات نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، والشعور بالعجز عند مواجهة قضايا مثل تأثير النزاعات الدولية على أسعار الطاقة.

ويعبر الناخبون بشكل متزايد عن فقدان الثقة في الأحزاب التقليدية وقدرتها على التعامل مع المشكلات، مع تضخم الاهتمام لدى الشباب بقضايا تغير المناخ وعدم المساواة الاجتماعية وارتفاع أسعار السكن، فضلاً عن تحديات تحولات سوق العمل التي يصاحبها الذكاء الاصطناعي.

وفقاً لاستطلاعات أجراها مركز “بيو” خلال العام الحالي، يعرب 69% من الفرنسيين عن عدم رضاهم عن حالة الديمقراطية في بلادهم، وهي نسبة مماثلة لتلك الموجودة في إسبانيا (68%) وإيطاليا (62%)، وكذلك في الولايات المتحدة.

وشدد كثيرون على ضرورة التمييز بين المعتصمين السلميين وغاضبي الشارع الذين يسعون إلى الفوضى والعنف، وأشاروا إلى أن موجة الاحتجاجات الحالية قد تكون مزيجاً من الإحباط المتراكم وصراخ الاستغاثة الذي يأمل البعض أن تصل إليه السلطات، وأيضاً شعورا بعدم وجود المزيد ليخسروه.

شارك المقال:
admin
كتب بواسطة admin