رأي بارعة الأحمر: تأثير تهاوي الوسط الفرنسي على استقرار الدولة والشارع

تشكل الاحتجاجات الاجتماعية في باريس اليوم انعكاساً لأزمة أعمق في الدولة الفرنسية ونظامها السياسي الذي يواجه ضغوطاً كبيرة من الغضب الشعبي والاستقطاب المتصاعد، حيث بدأت التحركات الطلابية السلمية في مراحلها الأولى قبل أن تتطور إلى أعمال عنف كشفت هشاشة المؤسسات ودفعت إلى التساؤل حول قدرة الدولة على احتواء غضب الشارع دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
يظل التعاطف مع الطلاب الذين يدافعون عن حقهم في التعليم قائماً، إلا أن العنف والتخريب يرفضان، فالغضب الاجتماعي في النظام الديمقراطي مشروع، لكن تحويله إلى وسيلة لتفكيك النظام العام لا يحقق العدالة المنشودة بل يفاقم الشعور بعدم الأمان، وهو ما يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن الحماية الذاتية، لا سيما الذين تعرضت متاجرهم للنهب.
تتجاوز الأزمة قطاع التربية لتشمل تراجع الخدمات العامة وتآكل القدرة الشرائية، ما أدى إلى تفجر أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة في الشارع، حيث كشف المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن نصف العاملين في القطاع الخاص عام 2024 تقاضوا أقل من 2190 يورو صافياً شهرياً، وهو دخل لا يفي بتغطية الحاجات الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يفسر جزءاً من الاحتقان لكنه لا يختزل أسبابه كلها.
سياسياً، تواجه فرنسا مأزقاً في وسطها السياسي الذي حكمها خلال السنوات الماضية، إذ يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون تراجعاً في قدرة مشروعه الوسطي على احتواء التناقضات الاجتماعية، بينما تتسع المساحات التي تتحرك فيها قوى اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، يتحول هذا الواقع إلى اختبار حاسم لمستقبل النظام السياسي الفرنسي.
ينبعث من هذا الوسط المتأزم قوى متطرفة، فمارين لوبن تعد بالنظام في حين يرفع جان لوك ميلانشون شعار العدالة الاجتماعية، ويصبح الخوف من الفوضى وقوداً انتخابياً، والغضب وسيلة لتقويض المؤسسات، ليجد الفرنسيون أنفسهم أمام خيارين قد لا يعالجان جذور الأزمة بفاعلية، كما أن التفاوض الذي بدأته وزارة الداخلية مع قيادة اليسار الراديكالي يبدو غير كافٍ لاحتواء الشارع في ظل استمرار المشكلات الاجتماعية والسياسية.
يُعد احتمال اللجوء إلى الجيش لضبط الاحتجاجات المرتقبة خطراً قد يفتح باباً لتصعيد يصعب احتواؤه، فالقوة قد تفرض هدؤاً مؤقتاً لكنها لا تعالج ارتفاع الأسعار ولا الإحساس بالتهميش، ما تستدعيه فرنسا هو استعادة سلطة القانون وحماية المواطنين بالتوازي مع حلول سياسية واجتماعية قابلة للتنفيذ.
على مستوى أوسع، لا يمكن فصل الأزمة الفرنسية عن التحولات الأوروبية التي يشهدها القارة، حيث فاقمت الحروب المفتوحة وأمن الطاقة والضغوط على الموازنات الحكومية من صعوبة الخيارات السياسية للحكومات، فيما تستثمر القوى المعادية للأنظمة الأوروبية كل إخفاق لتعزيز نفوذها، وربما تخدم هذه الانقسامات مصالح موسكو دون أن يعني ذلك وجود تدخل روسي مباشر في كل أزمة، كما أن التباينات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين تعزز الحاجة إلى استقلالية استراتيجية أوروبية أكثر تماسكاً.
رغم أن فرنسا ليست بالضرورة على حافة حرب أهلية، فإن تجاهل مؤشرات التفكك الاجتماعي والسياسي قد يعقد احتواء الأزمة، فالاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة الدولة على تفريق المتظاهرين only but في حماية المواطنين، والسؤال الأكبر الذي يواجه البلاد اليوم يتعلق بما تبقى من ثقة الفرنسيين بدولة تبدو عاجزة حتى الآن عن إيقاف الانقسام والعنف ومنع تفاقمهما.





