الشفرة النوبية في حرب أكتوبر 1973 ودورها في تأمين الاتصالات العسكرية

في الحروب، لا تقتصر الأسلحة على المدافع والطائرات والدبابات فقط، فقد تتحول كلمة واحدة إلى وسيلة لحماية خطة عسكرية، وتصبح لغة محكية في منطقة معينة مفتاحًا للحفاظ على سرية الاتصالات في أكثر اللحظات حساسية.
ومن بين القصص المرتبطة بحرب أكتوبر 1973، تبرز حكاية استثمار اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية، حيث جرى توظيف مفردات نوبية داخل إشارات اللاسلكي لمنع العدو الإسرائيلي من فهم مضمون الأوامر المتبادلة بين القوات المصرية.
هذه القصة التي ارتبطت باسم الصول أحمد محمد أحمد إدريس، ابن قرية توماس وعافية النوبية، تكشف جانبًا مختلفًا من الاستعداد لمعركة أكتوبر، إذ لم تقتصر المعركة على عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، بل سبقتها معركة أخرى للحفاظ على سرية التحركات والأوامر العسكرية، خاصة أن الجانب الإسرائيلي كان يمتلك قدرات متقدمة في التنصت على الاتصالات آنذاك.
من أزمة الاتصالات إلى فكرة غير تقليدية
مع تكرار نجاح إسرائيل في اعتراض وفك بعض الاتصالات والإشارات العسكرية، ظهرت الحاجة إلى وسيلة أكثر أمانًا للتواصل بين الوحدات المصرية، ما وضع القيادات العسكرية أمام تحدٍ حقيقي قبل المعركة.
في ظل هذه الظروف، طرحت فكرة الاستعانة باللغة النوبية باعتبارها لغة محكية ذات خصوصية شديدة، لا تعتمد على نظام كتابة متداول يمكن للمتنصت الأجنبي دراسته بسهولة، فتاريخ اللغة النوبية وتحولها من وسيلة للتواصل بين أبناء النوبة إلى أداة لنقل الأوامر العسكرية دون الكشف المباشر عن مضمونها كان جوهريًا.
وتُنسب فكرة استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية خلال حرب أكتوبر للصول أحمد إدريس، الذي كان يعمل في سلاح الإشارة ولديه خبرات عسكرية واسعة خلال سنوات خدمته بالقوات المسلحة.
كلمات نوبية تحمل معاني عسكرية
لم يُستخدم اللغة النوبية بصورة عشوائية، بل تم تحويل بعض الكلمات والمصطلحات إلى دلالات عسكرية يفهمها المتلقون داخل الوحدات التي دربت على هذا الأسلوب.
ومن المصطلحات البارزة التي ارتبطت بالقصة كلمة «أوسكو» للدلالة على التحرك، و«أوشريا» المرتبطة بأمر الضرب، و«أولوم» التي كانت تشير إلى الدبابة.
كما شملت المصطلحات المستخدمة تسميات خاصة بمعدات وآليات عسكرية، منها «اسلانجي» للعربات الحربية المجنزرة، و«زندنابي» للطائرة، فضلاً عن مصطلحات أخرى تداولت داخل الاتصالات العسكرية بحسب المعاني المتفق عليها مسبقًا، ما منح الكلمات التي تبدو عادية لمن لا يعرف اللغة النوبية دلالات عسكرية سرية ضمن منظومة التشفير والتواصل.
اللغة النوبية.. شفرة يصعب اختراقها
تكمن أهمية هذه الفكرة في طبيعة اللغة نفسها التي كانت تعتمد في ذلك الوقت على التوارث الشفهي، مما جعل التعامل معها أكثر صعوبة لمن يحاول اعتراض وفهم الاتصالات بدون معرفة مسبقة بها.
وتضم اللغة النوبية عدة فروع ولهجات مثل الفاديجا والماتوكية في مصر، والمحسية والدنقلاوية في السودان، وهذا التنوع يعكس امتداد الثقافة النوبية عبر مناطق مختلفة من وادي النيل.
وبينما يتحدث الطرف المرسل في الاتصالات العسكرية بالنوبية ويفهم الطرف المستلم المعنى المقصود وفق المصطلحات المتفق عليها، تظل الإشارة بالنسبة لمن يعترضها مجرد كلمات يصعب ربطها مباشرة بالأوامر والتحركات العسكرية، فتتحول بذلك لغة الأجداد إلى كلمة سر في واحدة من أهم المعارك في التاريخ المصري الحديث.
الصول أحمد إدريس.. صاحب الفكرة
ارتبطت القصة بشكل خاص بالصول أحمد محمد أحمد إدريس الذي خدم لسنوات طويلة في القوات المسلحة وشارك في مراحل مختلفة من تاريخ العسكرية المصرية قبل حرب أكتوبر، حيث كان لخبرته العسكرية ومعرفته بمناطق سيناء وطبيعة العمل داخل القوات المسلحة إلى جانب إجادته اللغة النوبية، دور في طرح فكرة الاستفادة من هذه اللغة في الاتصالات.
وبحسب الرواية، انتقلت الفكرة من مجرد مقترح إلى دوائر القيادة العسكرية، وجرى بحث إمكانية تطبيقها بالاستعانة بأبناء النوبة الذين يجيدون اللغة بشكل صحيح، خاصة من الجيل الذي عاش في النوبة القديمة قبل التهجير، مع الحفاظ على سرية الفكرة التي بقيت بعيدة عن التداول لسنوات حتى ظهرت القصة علنًا بعد عدة عقود من حرب أكتوبر.
ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الفكرة
لا تنفصل قصة استخدام اللغة النوبية في حرب أكتوبر عن وقائع أخرى استُخدمت فيها هذه اللغة في ظروف عسكرية، ومنها فكرة استخدامها في الاتصالات خلال حرب فلسطين عام 1948، حيث ارتبطت إحدى الروايات باستخدامها وسيلة للتواصل بين الجنود المصريين خلال حصار الفالوجة.
وبين تجربتي 1948 و1973، برزت اللغة النوبية كوسيلة اتصال ذات خصوصية فائقة، خاصة مع قلة من يجيدونها خارج المجتمعات النوبية، مما منحها قيمة إضافية في المواقف التي تتطلب الحفاظ على سرية المعلومات.
من لغة الأجداد إلى ذاكرة النصر
لم تتوقف علاقة أبناء النوبة بحرب أكتوبر عند استخدام اللغة في الاتصالات العسكرية، فقد كان النوبيون جزءًا من النسيج العام للقوات المسلحة وشاركوا في مراحل مختلفة من تاريخ مصر العسكري.
وعلى الجبهة، كانت الحياة العسكرية تتضمن ثقافات ولهجات وأغاني وعادات مختلفة، فكان أبناء النوبة في فترات الراحة يرددون الأغاني النوبية، فتتحول تلك اللحظات إلى مساحة تجمع بين الجنود من محافظات مصر المتعددة.
ومن هنا، تحمل قصة الشفرة النوبية بعدًا يتجاوز استخدام كلمات محددة في الاتصالات لتكون جزءًا من حكاية أوسع عن مشاركة أبناء النوبة في الدفاع عن وطنهم، وعن انتقال عنصر ثقافي من الحياة اليومية إلى ميدان المعركة.
تكريم صاحب الفكرة وتخليد القصة
ظلت قصة الصول أحمد إدريس بعيدًا عن الأضواء لسنوات، قبل أن تظهر إلى العلن بصورة أكبر مع الحديث عن دوره في طرح فكرة استخدام اللغة النوبية خلال حرب أكتوبر، وجرى تكريمه من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إحدى احتفالات ذكرى نصر أكتوبر، ليصبح اسمه مرتبطًا في الذاكرة المصرية بقصة الشفرة النوبية التي واكبت اتصالات القوات المسلحة.
وفي أسوان، تم إطلاق اسمه على مدرسة أحمد محمد إدريس الرسمية للغات بنصر النوبة، ليظل اسمه حاضرًا أمام الأجيال الجديدة بعد وفاته.
تمثال يخلد صاحب الشفرة
مع مرور الوقت، ظهرت مطالب من أسرة الصول أحمد إدريس وأبناء النوبة بتخليد اسمه بصورة أكبر من خلال إقامة تمثال له في أحد ميادين مدينة أسوان، باعتبار أن قصته تمثل جانبًا من إسهامات أبناء المحافظة في حرب أكتوبر.
وتأتي هذه المطالب ضمن الرغبة في تحويل القصة من مجرد رواية مرتبطة بذكرى سنوية إلى جزء ثابت من الذاكرة البصرية والتاريخية لأسوان، خاصة أن المحافظة قدمت عددًا كبيرًا من أبناء القوات المسلحة الذين شاركوا في الحروب المصرية المختلفة.
عندما أصبحت لغة الأجداد جزءًا من المعركة
تظل قصة الشفرة النوبية واحدة من الحكايات اللافتة المرتبطة بحرب أكتوبر، لما توضح كيف يمكن لعنصر ثقافي محلي أن يتحول في لحظة تاريخية إلى وسيلة ذات أهمية عسكرية، فالكلمات التي كانت تُستخدم داخل البيوت والقرى النوبية أصبحت تحمل دلالات عسكرية خاصة داخل أجهزة اللاسلكي، وفهمها محصور فقط بمن عرف معناها الحقيقي.
وهكذا، ارتبطت اللغة النوبية بواحدة من أبرز صفحات التاريخ المصري الحديث، لتبقى قصة الصول أحمد إدريس والشفرة النوبية شاهدًا على أن الانتصار لم يكن ثمرة المعدات العسكرية فقط، بل كان الإنسان المصري بمعرفته وثقافته وخبرته شريكًا في صنعه، حيث تحولت لغة الأجداد إلى أداة من أدوات المعركة.
يُشار إلى أن حرب أكتوبر 1973 شهدت عبور القوات المسلحة المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر، واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، في واحدة من أبرز المحطات العسكرية في التاريخ المصري الحديث، وأصبحت تفاصيل المعركة وبطولاتها وأسرارها جزءًا من الذاكرة الوطنية التي تستعاد سنويًا مع ذكرى النصر.

أبطال حرب أكتوبر

الصول إدريس صاحب فكرة الشفرة النوبية

صور إدريس فى شوارع أسوان





