ترحيل الأزمات وتأثيراتها على مستقبل الاقتصاد المصري

لا تزال الدول تطمح إلى تحسين أوضاعها بهدف توفير مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة، إلا أن السياسة كثيرًا ما تتحول إلى أداة للالتفاف على هذا الطموح، ليصبح مجرد شعارات براقة غير مرتبطة بالواقع، حيث يُستغل المستقبل لخدمة مصالح فئة محددة.
من أبرز الأساليب السياسية في مواجهة الأزمات الاقتصادية هو ترحيلها إلى المستقبل؛ إذ تلجأ الحكومات التي تواجه عجزًا في الموازنة إلى الاقتراض، وتلك التي تعاني نقصًا في النقد الأجنبي تبيع الأصول للأجانب، كما تمدد الحكومات التي تعجز عن تحقيق أهداف خططها استراتيجياتها إلى الأمام، مما يُكسبها وقتًا ثمينًا، لكنه ثمن باهظ يُدفع من حساب المستقبل.
فالوقت الذي تكسبه الحكومة اليوم لا يأتي من فراغ، بل يُقتطع من أجيال قادمة لم تشارك في صنع القرار، ويُحوّل الاقتراض من أداة لتمويل الاستثمار والنمو إلى وسيلة لترحيل المشكلات، كما تتحول الموازنة إلى آلية لتوزيع أعباء الحاضر على سنوات مقبلة.
ولا يعني ذلك أن كل اقتراض ضار أو أن كل عجز دليل على سوء إدارة؛ فقد يكون الاقتراض مدروسًا حين يُستخدم لتمويل استثمارات تزيد الطاقة الإنتاجية، أو لمواجهة صدمات مؤقتة بهدف العودة إلى مسار مستدام، إذ إن الدين الذي يُستثمر في بناء قدرة إنتاجية جديدة يختلف جوهريًا عن الدين الذي يُستخدم لشراء وقت سياسي إضافي.
تستند هذه الرؤية إلى مفاهيم راسخة في الاقتصاد السياسي، حيث أشار ألبرتو أليزينا وجويدو تابيلينى إلى استخدام الدين العام كأداة استراتيجية تؤثر على قرارات الحكومات اللاحقة، كما بينت الدراسات دور “الوهم المالي” في تراكم الدين وإعادة توزيع الأعباء بين الأجيال، فيما أظهر روبرت بارو أن الاقتراض الحالي لا يلغي التكلفة بل يُعيد توزيعها زمنياً.
تبرز تجارب دول أمريكا اللاتينية في السبعينيات مثالاً واضحًا، إذ توسعت كثير من هذه الدول في الاقتراض الخارجي مستفيدة من وفرة السيولة العالمية، قبل أن تتحول هذه السهولة إلى أزمة ديون واسعة مع ارتفاع أسعار الفائدة وبطء الاقتصاد العالمي في بداية الثمانينيات، مما أدى إلى عقد ضائع في أجزاء كبيرة من المنطقة، وامتدت الأزمة لتطال المكسيك ودولًا أخرى نتيجة تراكم الاختلالات التي زادت هشاشة اقتصاداتها أمام الصدمات.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، مرت عدة دول بموجات من الاقتراض الخارجي، ثم واجهت ارتفاع تكلفة التمويل وضغوط خدمة الدين، إلا أن التجربة الأفريقية أظهرت أن الدين ليس قدرًا حتميًا، إذ نجحت دول معينة في تخفيض أعبائه من خلال الجمع بين الإصلاحات المالية والنمو وتحسين المؤسسات.
أما في مصر، فقد شهد الاقتصاد مؤخرًا تحسنًا في معدلات النمو والتضخم والاحتياطيات، وانخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، إذ تُشير البيانات إلى أن احتياجات التمويل الإجمالية مرتفعة، وأن خدمة الدين تستهلك مساحة كبيرة من الحيز المالي، حيث تعادل مدفوعات الفائدة نحو 83٪ من الإيرادات الضريبية، كما أن الاعتماد على الدين المحلي قصير الأجل يجعل الاقتصاد حساسًا لتقلبات أسعار الفائدة ومتطلبات إعادة التمويل.
وهنا يتضح مدلول “توريق المستقبل” بمعناه الذي لا يقتصر على الاقتراض فقط، بل يشمل تحويل التزامات الأجيال القادمة إلى موارد حالية لتمويل الحاضر، إما عبر استنزاف الأصول والموارد أو بيعها، أو تحميل الموازنات المستقبلية التزامات نشأت اليوم، مما يجعل المستقبل بمثابة منتج مالي يُباع مقدمًا مقابل سيولة فورية، ويتم تحميل تكاليفه على من لم يشاركوا في اتخاذ القرار.
ويواجه الاقتصاد المصري اختبارًا أعمق من مجرد خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، حيث يشير صندوق النقد الدولي إلى أن خفض الدين واحتياجات التمويل يجب أن يصاحبه إصلاحات تقلل المخاطر وتوسع دور القطاع الخاص، مع التنبيه إلى أن الاحتياجات التمويلية المرتفعة قد تنافس الائتمان والاستثمار الخاص، كما أن التقدم في تقليص الدور الاقتصادي للدولة وتنفيذ برنامج التخارج ما يزال أبطأ من المستهدف.
وتبرز هنا الفارق بين إدارة الأزمة وترحيلها؛ فإدارة الأزمة تعني الاستفادة من التمويل والوقت لإحداث تغييرات في بنية الاقتصاد تعزز الإنتاج والصادرات والإيرادات، وتحسن بيئة الاستثمار وترفع كفاءة المؤسسات، أما ترحيل الأزمة فمعناه استخدام الأدوات نفسها لتأجيل المواجهة، من خلال اقتراض جديد لسداد ديون قديمة، أو بيع أصول لسد فجوات مالية، أو تمديد استراتيجيات فشلت في تحقيق أهدافها، أو وثوق بنمو مستقبلي يحل مشكلات الحاضر دون مراعاة طبيعة التوزيع والعدالة.
ولا يطالب المقال بالتقشف المفرط أو وقف الاقتراض أو الاستثمار العام، فمصر تحتاج للنمو والاستثمار، لكنها تحتاج إلى ربط الاقتراض بزيادة القدرة الإنتاجية، وليس مجرد تمويل الفجوات المتكررة، بالإضافة إلى ضرورة انتقال خفض الدين من هدف محاسبي إلى جزء من استراتيجية تعزز الاستقلالية الاقتصادية وتزيد توليد النقد الأجنبي والاستثمار الخاص وفرص العمل.
فالمال يمكن تعويضه، والدين يمكن إعادة هيكلته، والأصول يمكن شراؤها وبيعها، وبعض الأخطاء يمكن تصحيحها، لكن السنوات المهدرة من عمر الاقتصاد لا تعوض، والزمن هو أغلى ما تملكه الأمم، وليس بإمكان الدول الفقيرة تحمل تبديده، إذ تعني كل سنة ضائعة فرص استثمارية ضائعة ومصانع غير منشأة ووظائف لم تخلق وأجيال تبدأ من مستويات أدنى.
وأخطر ما يمكن أن تقوم به الحكومات هو المراوحة بين إنكار الأزمات وتأجيل الإصلاح، فالحكومة التي تقترض لبناء المستقبل تترك لأجيال قادمة دينًا مقابل أصول وقدرة إنتاجية، أما التي تقترض للاستهلاك وشراء الوقت فتترك لهم الدين وحده، وعندما تستنزف الأصول وتتجاهل التزامات الغد، يصبح المستقبل الثمن المدفوع لتمويل حاضر مؤقت، ولا يمكن اعتبار التفريط في زمن الأمة ومواردها من أجل مكاسب سياسية زائلة مجرد خطأ اقتصادي وإنما هو انتقاص من حقوق أجيال كاملة في مستقبل أفضل.
*كاتب ومحلل اقتصادي




