صراع النفوذ في تيغراي والنهضة يضع مصر في قلب الأزمة الإقليمية

سيطرت القوات الفدرالية الإثيوبية على مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي في شمال إثيوبيا، بعد انسحاب المتمردين منها، في وقت دعت فيه أربع دول مجاورة خلال قمة استضافتها مصر إلى اعتماد الحلول السياسية والسلمية لتسوية النزاعات الإقليمية.
مع تجدد الصراع في إقليم تيغراي، بدأت جبهات المواجهة تتوسع في المشهد الجيوسياسي، حيث تجد إثيوبيا وإريتريا ومصر أنفسهم في مواجهة دبلوماسية متصاعدة، تثير مخاوف من امتداد التوترات إلى صراعات إقليمية تختمر في منطقة القرن الأفريقي ومحيطها.
ويرى جيل-إيمانويل جاكيه، محاضر في كلية جنيف للدبلوماسية والعلاقات الدولية، أن هناك احتمالاً لتداخل الصراع الناجم عن عدم الاستقرار في إثيوبيا مع الأزمة التي أثارها مشروع سد النهضة، موضحاً أن مصر قد تلجأ إلى دول الجوار الإثيوبي للضغط على إثيوبيا التي تمر بأزمة سياسية حادة وربما بصراع داخلي.
القاهرة ترفض الاتهامات وتستضيف قمة في العلمين
وترفض القاهرة الاتهامات الإثيوبية الموجهة إليها، وعليه احتضنت مدينة العلمين المصرية قمة جمعت قادة أربع دول مجاورة لإثيوبيا تربطهم مع أديس أبابا ملفات خلافية عديدة.
ودعا إلى القمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بمشاركة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.
وأكد الإعلان المشترك الصادر عن القمة على احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي دول المنطقة، وتعزيز قيم حسن الجوار، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية تحت أي ذريعة، إضافة إلى دعم المؤسسات الوطنية والعمل على حلول سياسية وسلمية للنزاعات.
ولا تزال الخلافات قائمة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الذي شيدته الأخيرة على النيل الأزرق، وتعتبره القاهرة تهديداً لأمنها المائي.
وفي هذا الإطار، يشير ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن مصر قامت بتطوير علاقاتها مع جيران إثيوبيا، لا سيما إريتريا والسودان، ضمن استراتيجية لتعزيز نفوذها في مواجهة أديس أبابا.
ويضيف أن تعزيز العلاقات مع خصوم إثيوبيا هو وسيلة لتحسين موقف مصر في مفاوضات مستقبلية حول السيطرة على النيل، بما يتضمن سدوداً جديدة قد تنوي إثيوبيا بناؤها، مشيراً إلى أن دعم مصر للجيش السوداني ينبع أساساً من علاقاتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية في السودان.
القرن الأفريقي وتحولات في التحالفات الإقليمية
لا تقتصر إعادة رسم التحالفات على القاهرة فقط، بل شهدت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تصعيداً غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة، حيث اتهمت إثيوبيا إريتريا بارتكاب أعمال عدائية وعنف، عقب طردها عشرة دبلوماسيين إريتريين وإغلاق سفارتها في أسمرة، وردت إريتريا بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية.
وتصاعدت التوترات بين البلدين الجارين إلى نقطة حرجة مع تجدد الاشتباكات في شمال إثيوبيا، مما أثار مخاوف من تجدد الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 وأودت بحياة ما يُقدر بنحو 600 ألف شخص.
من جانب آخر، أعلنت إثيوبيا شخصاً دبلوماسياً مصرياً غير مرغوب فيه وأبلغت سفارة مصر في أديس أبابا بضرورة مغادرته خلال 48 ساعة من دون بيان لأسباب الخطوة، وردًا على ذلك، أعلنت مصر دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة غير مرغوب فيه ومنحته مهلة مماثلة للمغادرة.
ويشير جيل-إيمانويل جاكيه إلى أن الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة وحصص المياه أدى إلى تشكيل تحالفات إقليمية جديدة.
تلعب إريتريا دوراً محورياً في هذه التحركات، نظراً لموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، حيث تعتبر إثيوبيا التي كانت تتمتع بإمكانية الوصول إلى الساحل قبل انفصال إريتريا، أن تأمين الوصول إلى البحر مسألة أمن قومي، في حين تخشى أسمرة من محاولات أديس أبابا السيطرة على هذا الموقع بالقوة.
ويرى مراقبون أن أي مواجهة محتملة بين إثيوبيا وإريتريا لن تبقى معزولة عن بقية الصراعات الإقليمية، خصوصاً وسط تعقيد المصالح والتحالفات المتشابكة.
ويحذر الصحفي البريطاني مارتن بلاوت، المختص بشؤون القرن الأفريقي، من خطورة تداخل هذه الصراعات، لافتاً إلى دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، والسعودية للقوات الإريترية والجيش السوداني، مما قد يزيد من مخاطر تصعيد الصراعات وربطها ببعضها البعض.
شارك أنطونيو كاسكايس في إعداد هذا التقرير.





