غزة تغير المعادلة الأمريكية ودعم إسرائيل الرسمي يواجه تحديات وسط تراجع التأييد الشعبي

تشهد الولايات المتحدة تراجعًا تاريخيًا في التأييد الشعبي لإسرائيل، خصوصًا مع استمرار الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ ثلاثة أعوام، والتي توصف بأنها إبادة جماعية، وفقًا لما ذكره المحلل البريطاني الإسرائيلي دانيال ليفي، رئيس منظمة “مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط” المقيمة في نيويورك.
وأشار ليفي في حديثه لوكالة الأناضول إلى أن هذا التراجع يحمل أبعادًا غير مسبوقة، حيث بدأ الناخبون من مختلف التوجهات الأيديولوجية يتساءلون عن جدوى العلاقة الأميركية الإسرائيلية ومدى فائدتها لأمريكا، دافعي الضرائب، والأمن القومي الأمريكي.
ورأى أن التمويل الواسع للحملات الانتخابية، ونفوذ جماعات الضغط، وتركيز ملكية وسائل الإعلام الأميركية ساهموا في عزل نواب الكونغرس عن التغير الحاصل في المزاج الشعبي تجاه إسرائيل، مما يطرح تساؤلات حول قدرة واشنطن على الاستمرار بسياسات قد تتناقض مع اتجاهات الرأي العام الأمريكي.
وفي حين قدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعمًا عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا لإسرائيل، وحمتها من المساءلة في مجلس الأمن الدولي عبر استخدام حق النقض (الفيتو)، تشن إسرائيل منذ 8 أكتوبر 2023 حرباً أدت إلى أكثر من 74 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 175 ألف جريح، أغلبهم من النساء والأطفال، بحسب بيانات أولية.
تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل
أسفرت استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “بيو” للأبحاث في مارس 2025 عن وصول نسبة النظرة السلبية تجاه إسرائيل بين البالغين الأمريكيين إلى 60%، مقابل 53% في 2024 و42% في 2022، فيما أشار الاستطلاع إلى أن 59% يثقون بشكل ضعيف أو معدوم برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تواجهه اتهامات بمحكمة جرائم الحرب الدولية.
وأوضحت دراسة أخرى لكلية الحقوق في جامعة ماركيت في سبتمبر 2025 تراجع النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل، حيث أظهرت أن 59% ينظرون إليها سلبًا، و55% يرون أن واشنطن تقدم مساهمات عسكرية أكثر من اللازم.
كما سجلت مؤسسة “غالوب” في 2025 أدنى مستوى للتأييد الأمريكي للحرب الإسرائيلية على غزة عند 32%، مقابل 60% يعارضونها، وفي فبراير 2026 تفوقت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين (41%) على المتعاطفين مع الإسرائيليين (36%) لأول مرة.
وكشف استطلاع “إيكونوميست/يوغوف” في سبتمبر 2025 عن تضاؤل الفارق بين الأمريكيين المتعاطفين مع كل من الطرفين، حيث أشار 26% إلى تعاطفهم مع الإسرائيليين مقابل 25% مع الفلسطينيين، فيما أظهر استطلاع مشترك لوكالة “أسوشيتد برس” ومركز “نورك” يونيو 2025 أن 31% من البالغين يرون حرب إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية.
تحول ملحوظ وتأثيره على السياسة الأمريكيّة
اعتبر ليفي أن تحولات الرأي العام الأمريكي قد تؤدي إلى إعادة تشكيل الدعم الرسمي، مشيرًا إلى ثلاث سيناريوهات متوقعة، وهي الاستمرار في الدعم رغم تراجع التأييد الشعبي، أو قطيعة حاسمة تقلل الدعم في الإدارات القادمة، أو انخراط أعمق في صراعات المنطقة يُضعف النفوذ الأمريكي ويزيد عزلة إسرائيل.
وفي سياق متصل، توقّع زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان أن الرئيس الأمريكي المقبل قد يعترف بدولة فلسطين ويطرح قرارًا في مجلس الأمن لمنحها العضوية الكاملة.
أما على مستوى الحزب الجمهوري، فبرز انقسام داخل أوساطه، لا سيما بين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا، حيث أظهر استطلاع “بيو” أن 57% منهم ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، ويعكس هذا التوجه تزايد التيار “أمريكا أولاً” المناهض للإنفاق الخارجي والنزاعات العسكرية.
تغيرات في جماعات الضغط وتداعيات بين الأجيال
شهدت جماعات الضغط التقليدية المدافعة عن إسرائيل تغيرات ملحوظة، حيث طلب مرشح جمهوري في ميشيغان عدم دعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” له تأثيرًا مباشرًا لأسباب سياسية محلية، وهو ما اعتبره ليفي تحولًا بالغ الأهمية في طبيعة دعم إسرائيل للمرشحين السياسيين.
وأوضح أن الجمهور الأمريكي الأصغر سنًا يعتمد في معظمه على منصات إخبارية غير تقليدية، ما أتاح تحولًا في النظرة تجاه إسرائيل، وبرزت احتجاجات جامعية وتدفقات واسعة من المظاهرات المعبرة عن رفض الحرب ونداء الدعم للفلسطينيين.
وأكد ليفي أن التحول الراهن لا يقتصر على الحزب الديمقراطي، بل يشمل أيضًا البنية الأساسية للحزب الجمهوري، وحتى داخل المجتمع المسيحي الإنجيلي الذي شكّل لسنوات ركيزة دعم مهمة لإسرائيل.
آفاق مستقبل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية
رفض المحلل البريطاني الإسرائيلي تفسير تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل باعتباره رد فعل محصورًا في غياب زعيم مثل نتنياهو، معتبراً أن الحالة “ذات طبيعة بنيوية عميقة” تتجاوز الأفراد، خاصة وأن الأحزاب الصهيونية الإسرائيلية لا تقدم برامج سياسية واضحة تتناول قضايا مثل إقامة الدولة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال.
وختم ليفي تحذيره بأن التطرف الإسرائيلي قد يعود بنتائج سلبية على إسرائيل مستقبلاً، منوهًا إلى أن الدعم الأمريكي الرسمي يواجه تحديات حقيقية في ظل تراجع التأييد الشعبي، في وقت تشهد فيه المنطقة تغيّرات متسارعة على المستويات السياسية والاجتماعية.





